فلسطين أون لاين

فاجعة السعادة.. إنذار لكوارث قادمة

 كارثة "عمارة السعادة" التي وقعت في غزة، مخلفة 21 شهيدا و45 جريحا معظمهم من الأطفال والنساء، تؤكد المؤكد أن شلال الدم الفلسطيني لا يزال يسيل وبعنف، ليس فقط طوال سنوات حرب الإبادة الإسرائيلية ولا مذابح صبرا وشاتيلا 1982 -التي نعيش ذكراها- بل ومنذ النكبة سنة 1948 وما قبلها والعالم يتفرج ويتواطا ويشارك كثير منه في الجريمة التي لم تنتهِ فصولها.

القتل الإسرائيلي لأبناء غزة متعدد الأشكال والأنواع؛ الاغتيال والاعتقال وفقد الأطراف والتجويع ومنع الغذاء والماء والدواء ومنع سفر المرضى، وغيرها الكثير الكثير مما يُصنف بالإبادة الصامتة. أضف إلى ذلك القهر والحرمان من التعليم والسكن والعمل والحياة الكريمة.

في غزة قنابل موقوتة كثيرة، تكتظ بها الشوارع والطرقات ولا تجد علاجا ناجعا لها لأن قادة العالم المجرم لا نريد لغزة وأهلها الحياة، فقد خلفت عمليات القصف والنسف التي نفذها جيش الاحتلال مئات إن لم يكن آلاف المنازل والمباني الآيلة للسقوط، وتركها على حالها لم يكن صدفة مطلقا، فالناس التي تبحث عن مكان أفضل من الخيمة التي لا تقي حر الصيف ولا برد الشتاء ولا هجوم القوارض والحشرات، تجد في هذه المباني ملاذاً تظنه آمنا رغم كل المخاطر.

نستيقظ يوماً بعد يوم على أخبار انهيار مبنى أو سور وما يعنيه ذلك من ارتقاء شهداء وإصابة وفقد آخرين، هي فعلا قنابل خاملة تشتعل وقتما تشاء، وما يخفيه فصل الشتاء القادم أعظم مع اشتداد الرياح وغزارة الأمطار والسيول الجارفة.

أبطال الدفاع المدني تعجز الكلمات أن توفيهم حقهم وعطاءهم وتضحياتهم، مع انعدام المعدات الحقيقية لعملهم، يحفرون في الصخر بأظفارهم وأدواتهم البدائية، ومع ذلك لا يتوقفون لحظة عن نداء الواجب وإنقاذ الناس، لكن ماذا عن هذا العالم الذي يدعي الحضارة والإنسانية، ويتنطع بحقوق المدنيين والطفل والمرأة؟!

انضم شهداء "السعادة" إلى قرابة 74 ألف شهيد و175 ألف جريح، وعشرات آلاف المفقودين قتلهم الاحتلال، والبث المباشر وصرخات الأطفال والنساء تصم آذان العالم المنافق. تصور معي لو أن المبنى المنهار كان في "تل أبيب" لشاهدنا وسمعنا، المؤتمرات والبيانات التي تحمل الشعب الفلسطيني المسؤولية عن الحادث، ولأعقبتها عقوبات شديدة، ثم انتفض العالم لإطلاق حملات الإغاثة والإنقاذ، وجابت حملات التبرعات الدول، وانطلقت الجسور الجوية للمساعدات، وجاءت الوفود للتضامن والتكافل، لكن للأسف الضحية ليس إسرائيليا!

الخطر والموت لم ينتهيا بانهيار "السعادة"، فالموت يلاحق الفلسطيني المحمل بأطنان من القهر والحرمان حتى بين الجدران المتهالكة المسماة بيتاً، وتحولت في لحظات إلى أكفان وقبور لساكنيها، كل ذلك يحدث تحت غطاء "اتفاق وقف إطلاق النار"، لا وسطاء يتدخلون ولا سلطة تجابه، ولا عالم يتفاعل!

أمام هذه الفاجعة الجديدة المتوقع تكرارها في أي لحظة، التي يتحمل الاحتلال مسؤوليتها الكاملة، وجب على ما يسمى "مجلس السلام" ومرجعياته، ومن ثم لجنة التكنوقراط لإدارة غزة"، والدول العربية والإسلامية، تحمل مسؤولياتهم ابتداء بتوفير كل الأدوات والمعدات الثقيلة للدفاع المدني لحصر المباني المتصدعة، ومعالجتها بالطرق المناسبة، وإزالة ما يلزم، وضمان الاستجابة العاجلة والمجدية لحالات الانهيار وتنفيذ عمليات الإنقاذ.

وحتى لا تتكرر مجازر صبرا وشاتيلا بطرق جديدة -كما يجري الآن في غزة- فإن حماية المدنيين الفلسطينيين لا تتوقف عند إعلان وقف إطلاق النار الذي لم يتوقف، إنما على الأمم المتحدة ومجلس أمنها والإدارة الأمريكية، حمايتهم من جرائم الاحتلال المستمرة وضمان حقهم في الحياة والقدرة على البقاء، وحمايتهم من كل المخاطر، وتوفير منازل مؤقتة تضمن لهم الأمن نسبيا، وسبل الحياة الكريمة، فالأمر لا يحتمل التأجيل، والوقت من دماء وأرواح، ويمثل أولوية إنسانية وأخلاقية إن بقيت إنسانية وأخلاق عندكم.

المصدر / فلسطين أون لاين