فلسطين أون لاين

هنية ظاهرة وطنية وقائد استثنائي لا يغيبه الرحيل

جاءنا الخبر كالصاعقة ونحن في سجن عوفر باغتيال القائد إسماعيل هنية، شعرنا بحالة من التيه والغضب، هل نبكي أبو العبد؟ أم نهتم بالصراع مع وحوش البشر الذين يمعنون بالأسرى قتلاً وتجويعاً وإهانةً وإرهاباً وتعذيباً؟

ولأن هنية لم يكن حالة عابرة، إنما ظاهرة ملكت قلوب الشعب الفلسطيني وأحرار العالم، فقد سيطرت علينا حالة من الألم والحزن والغم.

صلينا عليه صلاة الغائب بالرغم من مرور أكثر من أسبوعين حتى وصل إلينا الخبر، فالأسرى منسيون، معزولون عن العالم، لا يعرفون ما يجري خارج الأسوار العملاقة للسجن.

لا يمكن لمن عرف هنية إلا أن يحبه، وكأن الله عز وجل كتب له القبول بين الناس، يدخل القلب دون استئذان، يتربع على عرش الحب والاحترام، هو ابن مخيم الشاطئ الذي لم تتمكن الدنيا من تغييره أو التلاعب به، لا حين تقلد مواقع متقدمة في قيادة حماس حتى وصل إلى رئاسة مكتبها السياسي، ولا رئاسته للحكومة الفلسطينية، ولا ما سبقهما من مناصب ومسؤوليات برلمانية، ومجتمعية وأهلية.

علمته المساجد الأمانة والتقوى والصدق، ودربته الانتفاضة على الجهاد والفداء، وصقله إبعاد مرج الزهور في جنوب لبنان بمزيد من الصمود والثبات، وعلمته سجون الاحتلال الصبر والمواجهة، وتتلمذ على يد الإمام الشهيد الشيخ أحمد ياسين الحكمة والرؤية الإستراتيجية الثاقبة، واكتسب من الشهيد د. عبد العزيز الرنتيسي التواضع والقوة والعنفوان. وزاد عمله مع الفصائل والهيئات الشعبية والمجلس التشريعي من قربه من الناس وأصبح رمزا للوحدة والحفاظ على الثوابت، وخبره العمل الحكومي بالمرونة والتخطيط والنزاهة والعطاء اللامحدود، وتقدم الميادين رجل دولة بامتياز.

أكثر ما تميز به هذا الرجل النزاهة والمصداقية والوفاء، فالرجل الذي تبوأ أرفع المناصب الحركية والحكومية لم يغادر مخيمه الشاطئ عنوان حق العودة، بقي كما هو، كما عرفه الناس قريبا منهم، يشاطرهم أفراحهم وأحزانهم دون تمييز، نزيها في معاملاته وتعاملاته، صادقا في عطائه ومحبته للغير وعمل الخير، وفيا لكل صاحب فضل ولكل صديق وجار، حتى لأصدقائه الذين لعب معهم كرة القدم فدائما هم حاضرون في ذاكرته يلعب معهم، ويشاركهم مناسباتهم، كريما في عطائه للجميع.

لـ"أبو العبد" قدرة خارقة على التأثير في الغير، وهذه من صفات القائد الملهم الذي يبث الطمـأنينة في قلوب الناس ومن حوله وقت الشدة والاضطراب، يفهم مشاعر الآخرين ويستطيع التواصل معهم سريعا، وترك الأثر فيهم وعليهم.

يتخذ القرار بعد مشورة يحبها بطبعه، فلم يكن الرجل ممن يحبون الاستفراد بالقرار، بل ممن يؤمنون بمبدأ الشورى إيماناً يقينياً أن الخير فيه، يستمع للجميع، ويسجل آراءهم بذاكرته الوقادة، ويدرس الأمر ثم يتخذ القرار، مهما كان هذا القرار صعبا ومؤلما وثمنه كبيرا.

يواجه الأزمات بقدرة عالية في الحزم يجمع بين الصلابة في القرار، والمرونة في الأسلوب، يتعامل مع تقلبات السياسة دون أن يفقد البوصلة التي كررها مرارا وتكرارا: "لن نعترف بإسرائيل، ولا مستقبل للاحتلال في فلسطين"، حتى أصبحت أيقونة وشعارا تتغنى بها الأجيال.

يعطي الآخرين ممن حوله ويعملون إلى جانبه -خاصة الشباب- الفرص في العمل والتفويض والتمكين وتوفير مساحات واسعة من الإبداع والعطاء، يراقبهم من قرب، ينصح أو يوجه أو يرشد عند الحاجة.

لم تنل محاولات الاحتلال لاغتياله، وقصف منزله ومكتبه وحصاره، من إجباره على التراجع أو التقوقع والخنوع، ولم تفلح محاولات الخصوم من النيل من سمعته ونزاهته وصدقيته، بل زادت من ثباته وعزيمته، وجماهيريته العارمة التي ظهرت جليا خلال زيارته لمخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان عام 2020 وخطابه التاريخي في مخيم عير الحلوة الذي شدد فيه على رفض التوطين والتهجير أو الوطن البديل، واصفاً المخيمات بأنها "قلاع المقاومة".

وعلى الرغم مما عانته حماس والقضية الفلسطينية من ظلم الاحتلال وذوي القربى والمنظومة الدولية المنافقة، فإن لدى هنية ميزانًا من الذهب في قراءة التوازنات السياسية، سواء الفلسطينية أو الإقليمية أو الدولية، أحسن في التعامل معها لكنه لم يخفِ انحيازه لمن يقف إلى جانب فلسطين ومقاومتها، مهما كان شكله أو لونه أو عقيدته مستندا إلى سياسة شرعية مستنيرة.

استشهد خلال حرب الإبادة ثلاثة من أبنائه وقرابة المائتين من أحفاده وعائلته، لكنه لم يتراجع قيد أنملة عن طريق الحق والحرية، وكأني به حينما قال: "بكره تشوفوا أبو العبد شهيد، امضوا ولا تترددوا، دماؤنا فداء لديننا ولقدسنا، لسه مشوارنا طويل ومعركتنا قاسية جدا". يدرك أن الشهادة مصير كل حر، وهل يمكن ان يتصور أحد مصيرا لك يا جبل فلسطين غير الشهادة؟!

سيبقى أبو العبد هنية ظاهرة وطنية وقائدا استثنائيا لا يغيبه الرحيل، فالأثر باقٍ، والعهد صادق، والوصية محفوظة يحملها الأحرار، والفرج قريب. إلى جنات الخلد يا سيد الشهداء.

المصدر / فلسطين أون لاين