فلسطين أون لاين

400 ألف عامل خارج سوق العمل.. غزة أمام أزمة تشغيل غير مسبوقة

...
400 ألف عامل خارج سوق العمل.. غزة أمام أزمة تشغيل غير مسبوقة "أرشيف"
غزة/ رامي رمانة:

لا تزال قضية العمال في قطاع غزة تراوح مكانها، في أوضاع اقتصادية ومعيشية تزداد صعوبة، بعد نحو ثلاث سنوات من الحرب التي ألحقت أضرارًا واسعة بالمنشآت الاقتصادية وأوقفت قطاعات إنتاجية عديدة، وتركت أعدادًا كبيرة من العمال، ولا سيما عمال المياومة، من دون مصدر دخل ثابت.

ومع استمرار البطالة وتراجع فرص العمل، لا تتوقف احتياجات الأسر عند توفير الطعام والشراب، بل تتسع لتشمل لوازم أبنائهم مع بداية العام الدراسي، واحتياجات فصل الشتاء من ملابس وأغطية وفرشات، في وقت فقدت فيه كثير من الأسر مصادر دخلها ومساكنها وممتلكاتها.

خليل الدباغ عاملٌ متعطل عن العمل يعيش اليوم في خيمة بعد أن هُدم منزله، ويعتمد في تأمين طعامه على ما يصله من مساعدات وعلى وجبات التكايا.

لكن ما يحتاج إليه، كما يقول لصحيفة "فلسطين"، لا يقتصر على المساعدة الغذائية، فالمطلوب هو مصدر دخل ثابت يستطيع من خلاله إعالة أسرته وتأمين احتياجات أبنائه.

ويؤكد أن المساعدة العاجلة تبقى ضرورية في هذه المرحلة، لكنها لا يمكن أن تكون الحل الوحيد، مطالبا بوجود شبكة أمان اجتماعي توفر دعمًا نقديًا منتظمًا للأسر الأكثر تضررًا، إلى جانب المساعدات العينية، خصوصًا للعائلات التي فقدت مصادر رزقها ومساكنها.

وتزداد الضغوط مع بداية العام الدراسي، إذ تجد الأسر نفسها أمام قائمة جديدة من الاحتياجات؛ من ملابس وقرطاسية ومستلزمات مدرسية، في وقت لا يستطيع فيه الأب العامل أو المتعطل عن العمل توفير أبسط هذه المتطلبات.

أما الشتاء، فيفتح فصلًا آخر من المعاناة، بالنسبة للعائلات التي تعيش في الخيام أو أماكن النزوح، إذ تصبح الملابس الشتوية والأغطية والفرشات من الاحتياجات الأساسية التي لا تحتمل التأجيل.

وتروي سماهر الحلو أنها كانت تعمل في مؤسسة محلية، لكن توقف المشاريع التي كانت تعتمد عليها المؤسسة أدى إلى توقفها عن تقديم خدماتها، وبالتالي فقدانها مصدر دخلها.

الحلو، الحاصلة على تخصص في علم النفس، تقول لصحيفة "فلسطين" إن امتلاك المؤهل والخبرة لم يعد كافيًا للحصول على فرصة عمل مع توقف المؤسسات والمشاريع، وإن واقعها أصبح أكثر صعوبة مع وجود أسرة كبيرة تحتاج إلى احتياجات يومية لا تتوقف.

وتطالب النساء العاملات والمتعطلات، إلى جانب العمال، بفتح المجال أمام فرص عمل جديدة، وعدم حصر الاستجابة في المساعدات، خاصة أن كثيرًا من أصحاب المهارات والخبرات أصبحوا خارج سوق العمل رغم قدرتهم على الإنتاج.

تدهور غير مسبوق

وبحسب رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين، سامي العمصي، فإن واقع العمال في قطاع غزة وصل إلى مستويات غير مسبوقة من التدهور، إذ تتجاوز نسبة البطالة بين العمال 90%، فيما تتجاوز نسبة الفقر بين الأسر العمالية 90%، في وجود شلل شبه كامل لسوق العمل وتوقف معظم الأنشطة الاقتصادية والإنتاجية.

ويبين العمصي لصحيفة "فلسطين" أن عدد العمال الذين كانوا يعملون داخل أراضي عام 1948 قبل اندلاع الحرب بلغ نحو 20 ألف عامل، وجد معظمهم أنفسهم بعد الحرب أمام واقع جديد من فقدان العمل والدخل، إلى جانب ما تعرض له عدد كبير منهم من اعتقال وتنكيل وإعادتهم إلى قطاع غزة دون ضمانات واضحة لحقوقهم ومستحقاتهم.

ويقدر العمصي عدد العمال المتعطلين عن العمل في قطاع غزة بنحو 400 ألف عامل، في ظل خروج معظم المنشآت الاقتصادية عن الخدمة وتوقف عجلة الإنتاج، معتبرًا أن هذا الرقم يعكس حجم الكارثة التي أصابت سوق العمل، ويجعل قضية العمال واحدة من أكثر الملفات إلحاحًا في القطاع.

كما يبين العمصي أن حقوق العمال الفلسطينيين المحتجزة والمتراكمة منذ عقود تُقدّر بنحو 20 مليار دولار، موضحًا أن هذه المستحقات تعود إلى اقتطاعات وحقوق مالية مرتبطة بفترات عمل الفلسطينيين داخل أراضي عام 1948، وتشمل مستحقات متعلقة بالتأمينات والضمان الاجتماعي وأتعاب العمل.

ويشير إلى أن هذه الأموال كان يمكن أن تشكل شبكة أمان للعمال وأسرهم في أوقات الأزمات، مطالبًا بتحرك دولي ونقابي جاد لاستعادة هذه الحقوق، وإنشاء آلية أو صندوق ضمان اجتماعي يضمن وصولها إلى أصحابها.

وفيما يتعلق بظروف العمل خلال الحرب، يقول العمصي إن بعض العمال الذين تمكنوا من الحصول على فرص عمل يواجهون استغلالًا قاسيًا، إذ تتراوح ساعات العمل لدى بعض أصحاب العمل بين 10 و12 ساعة يوميًا، وقد تصل في بعض الحالات إلى 14 و16 ساعة، مقابل أجور متدنية لا تتجاوز، بحسب إفادته، 3 إلى 4 شواكل للساعة.

ويشير العمصي إلى أن قطاع الإنشاءات، الذي كان قبل الحرب يشغّل نحو 45 ألف عامل، تعرض لضربة كبيرة نتيجة تدمير المنشآت والبنية التحتية، ما ساهم في تعميق أزمة البطالة وشلل سوق العمل.

كما ينبه إلى أن نسبة العاملين من قطاع غزة في المؤسسات الدولية لا تتجاوز، وفق تقديراته، 10%، معتبرًا أن هذه النسبة لا يمكن أن تشكل حلًا لأزمة البطالة الواسعة التي يعانيها مئات آلاف العمال.

قضية وطنية

من جهته، يؤكد الناشط في قضايا العمال د. سلامة أبو زعيتر أن الواقع الراهن يتطلب الانتقال من التعامل مع قضية العمال باعتبارها ملفًا إغاثيًا مؤقتًا إلى اعتبارها قضية وطنية واقتصادية واجتماعية تحتاج إلى استراتيجية شاملة ومستدامة، تضمن حماية العمال وتمكينهم وإعادة دمجهم في الدورة الاقتصادية، بما يناسب حجم الخسائر والاحتياجات القائمة.

ويبين أبو زعيتر  لصحيفة "فلسطين" أن الخطوة الأولى في مسار إسناد العمال يجب أن تبدأ باستجابة إغاثية ومالية عاجلة، من خلال إنشاء شبكات أمان اجتماعي وصناديق طوارئ، بمشاركة الجهات الرسمية والمنظمات الدولية والمؤسسات ذات العلاقة، بهدف توفير مخصصات مالية نقدية ثابتة للعمال المتضررين، إلى جانب مساعدات عينية موجهة لأسرهم، بما يضمن تأمين الاحتياجات الأساسية والحفاظ على الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة.

ويشدد على ضرورة إعفاء العمال المتضررين من الرسوم والالتزامات المالية، ولا سيما تلك المرتبطة بالتعليم والرعاية الصحية والمعاملات والإجراءات الرسمية، مؤكدًا أن هذه الإجراءات تمثل جزءًا أساسيًا من شبكة الحماية المطلوبة في ظل فقدان آلاف الأسر لمصادر دخلها وممتلكاتها.

ويؤكد أبو زعيتر أن أهمية الإغاثة النقدية والعينية لا تعني إمكانية الاعتماد عليها وحدها لحل أزمة العمال من جذورها، مشددًا على أن المرحلة المقبلة تتطلب تطوير سياسات تشغيل ودمج حقيقية في سوق العمل، والانتقال تدريجيًا من منطق الإغاثة إلى منطق التمكين الاقتصادي واستعادة القدرة على الإنتاج.

ويوضح أن ذلك يتطلب إعادة توجيه مهارات العمال من خلال برامج تدريب وتأهيل سريعة ومرنة، تتناسب مع متطلبات المرحلة الحالية واحتياجات سوق العمل، وتراعي التحولات التي فرضتها ظروف الدمار وإعادة الإعمار، بما يتيح للعمال اكتساب مهارات جديدة تساعدهم على العودة إلى سوق العمل.

وفي هذا السياق، يرى أبو زعيتر أن برامج الدعم النقدي مقابل العمل تمثل أحد أهم الجسور التي يمكن أن تربط بين الإغاثة والتنمية، باعتبارها آلية عملية تتيح الانتقال من تقديم المساعدة إلى إشراك العمال والموظفين والخريجين في أعمال ومشاريع تخدم المجتمع وتساهم في التعافي.

ويوضح أن هذه البرامج يمكن أن تستوعب أعدادًا واسعة من العمال والخريجين في مشاريع إغاثية ومجتمعية حيوية، من بينها إدارة مراكز الإيواء، وترميم وتأهيل المرافق الحيوية، وإعادة تأهيل البنية التحتية، ودعم القطاع الزراعي المحلي، والمساهمة في مشاريع التعافي والخدمات الاجتماعية والنفسية والصحية والتعليمية، وغيرها من المجالات التي تحتاج إلى أيدٍ عاملة وخبرات محلية.

ويؤكد أبو زعيتر أن هذه الجهود ينبغي أن تترافق مع سياسات وطنية واضحة للحماية القانونية والرعاية الشاملة للعمال، تتولى النقابات العمالية القطاعية والاتحادات والجهات الرسمية المعنية مسؤولية الإسهام في تنفيذها ومتابعتها، بما يضمن حصر العمال المتضررين وتوثيق أوضاعهم وحماية حقوقهم وعدم ترك أي فئة منهم خارج مظلة الحماية.

ويدعو إلى إنشاء قاعدة بيانات وطنية شاملة للعمال المتضررين، تتضمن أوضاعهم المهنية والاجتماعية والصحية، بما يساعد على توجيه برامج الدعم والتشغيل والتأهيل بصورة أكثر عدالة وكفاءة، ويمنع الازدواجية ويعزز التنسيق بين المؤسسات الرسمية والنقابات والمنظمات الدولية.

كما يدعو إلى تقديم حوافز للقطاع الخاص والمؤسسات الأهلية والدولية لإعادة استيعاب العمالة المحلية وخلق فرص عمل جديدة، مؤكدًا أهمية أن تكون هذه الفرص قائمة على عمل لائق ومناسب يحفظ كرامة العامل وحقوقه، ويمنحه دخلًا مستقرًا بدلًا من إبقائه في دائرة الاعتماد على المساعدات.

المصدر / فلسطين أون لاين