فلسطين أون لاين

من ركام العمري إلى "ذاكرة العالم".. مخطوطات غزة تقاوم النسيان

...
من ركام المسجد العمري في غزة، تتواصل جهود إنقاذ المخطوطات والوثائق التي تختزن جانبًا من ذاكرة المدينة وتاريخها.
غزة/ صفاء عاشور:

لم يكن المسجد العمري الكبير في قلب مدينة غزة مجرد مكان للعبادة، بل كان شاهدًا على طبقات متعاقبة من تاريخ المدينة، وواحدًا من أبرز معالمها الدينية والمعمارية والثقافية.

وعلى امتداد قرون، تبدلت وظائف المكان وأشكاله، بينما بقي حاضرًا في ذاكرة غزة بوصفه معلمًا ارتبط بتاريخها وعلمائها وحياتها الاجتماعية.

لكن الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 أصابت هذا الإرث التاريخي أيضًا؛ ففي ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه تعرض المسجد لقصف أدى إلى دمار واسع في أجزاء كبيرة منه، في وقت كانت فيه المدينة القديمة ومواقعها التاريخية تتعرض لأضرار متتالية.

وأكد المجلس الدولي للمعالم والمواقع "ICOMOS فلسطين" أن المسجد تعرض لهجومين على الأقل منذ بدء الحرب، كان الاول في 7 ديسمبر/كانون الأول 2023 وأحدث دمارًا كبيرًا.

وبينما انهارت أجزاء من المبنى، بقيت معركة أخرى تجري بعيدًا عن الأنظار: محاولة إنقاذ ما تبقى من الذاكرة المكتوبة لغزة، وفي مقدمتها المخطوطات والوثائق التي ارتبطت بالمكتبة ومجموعات التراث الوثائقي في المسجد.

موقع يحمل تاريخ مدينة

يعود تاريخ الموقع الذي أقيم عليه المسجد إلى عصور سابقة للإسلام، وتشير المصادر التاريخية إلى أن المكان شهد وجود منشآت دينية قبل بناء المسجد الإسلامي. وفي القرن السابع الميلادي تحول الموقع إلى مسجد، ثم مرّ خلال العصور الصليبية بمراحل مختلفة، قبل أن يأخذ المسجد صورته المملوكية التي شكّلت جزءًا أساسيًا من هويته المعمارية، مع ترميمات وإضافات لاحقة خلال العهد العثماني.

ويصفه المجلس الدولي للمعالم والمواقع في فلسطين بأنه أكبر وأقدم مسجد في قطاع غزة، مؤكدًا أن القصف الإسرائيلي في ديسمبر 2023 تسبب في دمار كبير للمبنى.

WhatsApp Image 2026-09-11 at 2.13.46 PM (1).jpeg
 

ولم يكن المسجد منفصلًا عن الحياة العلمية والثقافية للمدينة؛ فقد ارتبطت به مكتبة ومجموعات من المخطوطات والوثائق التي توثق جانبًا من تاريخ غزة العلمي والإداري والفكري.

وهنا تحديدًا، كما تقول الأستاذة حنين العمصي، المسؤولة عن مشروع ترميم وحفظ الكتب والمخطوطات، تتجاوز الخسارة حدود الحجر.

وتوضح في حديث لصحيفة "فلسطين" أن الفريق كان ينظر إلى المخطوطات والوثائق باعتبارها "ذاكرة مدينة، وشهادة أجيال، وجزءًا من تاريخ فلسطين والإنسانية"، مشيرة إلى أن علماء غزة الذين تركوا تلك المؤلفات "لم يكونوا بالنسبة إلينا مجرد أسماء في الكتب القديمة"، بل كانوا حضورًا حيًا أثناء محاولة إنقاذ آثارهم من الركام.

مهمة صعبة

مع اتساع نطاق الدمار، وجد العاملون في مجال التراث أنفسهم أمام مهمة شديدة الصعوبة: الوصول إلى الكتب والمخطوطات والوثائق الموجودة في مبانٍ تعرضت للقصف أو أصبحت مهددة بالانهيار.

تقول العمصي:" إن العمل جرى بين الخرائب والبيوت المدمرة، وبين الخطر والنزوح ونقص الإمكانات، وإن الفريق كان يحاول انتشال المخطوطات والوثائق من الأماكن المهددة بالدمار، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من تراث علماء مدينة غزة.

وتضيف:" أن الفريق كان يدرك أن ما يحمله بين يديه ليس "أوراقًا قديمة فقط"، وإنما ذاكرة مدينة كاملة، ولذلك لم يكن التوقف خيارًا رغم صعوبة الظروف".

وتكتسب هذه الشهادة أهمية خاصة في ضوء ما وثقته المؤسسات الدولية بشأن الأضرار التي لحقت بالتراث الثقافي في القطاع.

فقد بدأت اليونسكو منذ الحرب بإجراء تقييمات أولية لأضرار المواقع الثقافية في غزة اعتمادًا على صور الأقمار الصناعية، بسبب صعوبة إجراء التقييمات الميدانية في ظل استمرار الحرب.

وبحلول أبريل/نيسان 2024، كانت اليونسكو قد تحققت من تعرض 43 موقعًا للتراث الثقافي في غزة للضرر، بينها مواقع دينية ومبانٍ ذات قيمة تاريخية وفنية ومتاحف ومواقع أثرية.

وفي تقاريرها، أدرجت اليونسكو المسجد العمري الكبير ضمن المواقع الثقافية المتضررة في غزة.

وترى العمصي أن دمار الحجر لا يمحو ما بقي في الذاكرة وأن إنقاذ مكتبة أو مجموعة مخطوطات من تحت الركام لا يعني إنقاذ الكتب وحدها، بل يعني حماية جزء من ذاكرة المجتمع.

وتشير إلى إن الفريق كان يعمل في أوقات بدت فيها مهمة إنقاذ التراث "شبه مستحيلة"، لكنه استمر انطلاقًا من قناعة بأن حماية الذاكرة هي أيضًا حماية للإنسان والتاريخ، وضمان لحق الأجيال القادمة في معرفة ماضيها.

WhatsApp Image 2026-09-11 at 2.13.45 PM.jpeg
 

وتستحضر العمصي في حديثها علماء غزة الذين أفنوا حياتهم في العلم والتعليم والتأليف، قائلة إنها كانت تشعر في اللحظات الصعبة بأن آثارهم ودعواتهم ترافق العاملين في عملية الإنقاذ.

وتضيف بمعنى يحمل كثيرًا من البعد الإنساني:"كنا نظن أننا نحن الذين ننقذ كتبهم ومخطوطاتهم، لكنني أشعر اليوم أن بركتهم كانت تحفظنا ونحن نحفظ تراثهم".

إبادة الثقافية

لا يمكن النظر إلى ما أصاب المسجد العمري بمعزل عن الدمار الواسع الذي طال التراث الثقافي في قطاع غزة. فبحسب اليونسكو، شملت الأضرار مواقع دينية ومباني تاريخية ومتاحف ومواقع أثرية، فيما أظهرت تقارير منظمة ICOMOS فلسطين أن القصف طال عددًا من المواقع ذات القيمة التاريخية والمعمارية.

وفي بيان صدر في ديسمبر 2023، قالت ICOMOS فلسطين إن القصف الإسرائيلي المتعاقب أدى إلى تدمير أجزاء مهمة من التراث المعماري في غزة، واعتبرت تدمير المسجد العمري جزءًا من سلسلة أضرار لحقت بالتراث الثقافي في القطاع.

كما أشارت إلى الحماية التي يوفرها القانون الدولي للممتلكات الثقافية أثناء النزاعات المسلحة.

أما اليونسكو، فأكدت في تقييماتها أن حماية التراث الثقافي في غزة تظل ضرورية، ودعت إلى احترام القانون الدولي وحماية المواقع الثقافية.

ومن هنا، فإن الحديث عن الإبادة الثقافية لا يتعلق فقط بانهيار مبنى أثري، وإنما يمتد إلى فقدان المكتبات والمخطوطات والأرشيفات والمراكز الثقافية والمعالم التي تحمل ذاكرة المجتمع وهويته.

من الركام إلى "ذاكرة العالم"

وسط هذا المشهد، جاء حصول المشروع على جائزة اليونسكو/جيكجي "ذاكرة العالم" لعام 2026 ليمنح جهود إنقاذ التراث في غزة اعترافًا دوليًا بأهمية الذاكرة الوثائقية التي يحاول العاملون حمايتها.

وتؤكد العمصي أن الجائزة لا تراها تكريمًا شخصيًا لها أو لفريقها، وإنما تعدها تكريمًا لغزة ومخطوطاتها وعلمائها، ولكل من عمل في الظروف الصعبة من أجل ألا تضيع ذاكرة المدينة.

وتشدد على ان هذا الاعتراف يؤكد أن تراث غزة "ليس تراثًا محليًا فقط، ولا فلسطينيًا فقط، بل هو جزء من التراث الوثائقي للإنسانية"، وأن حمايته مسؤولية مشتركة.

وتُهدي العمصي الجائزة إلى غزة وأهلها وعلمائها، وإلى كل من فقد منزله أو مكتبته أو مخطوطاته أو أرشيفه، وإلى فريق مؤسسة "عيون على التراث" وفريق دائرة المخطوطات والآثار وكل من أسهم في إنقاذ ما أمكن إنقاذه.

ذاكرة لا تموت

في غزة، حيث تحولت أحياء كاملة إلى أنقاض، بات الحفاظ على ما بقي من الكتب والمخطوطات نوعًا آخر من مقاومة النسيان. فالحجر يمكن أن ينهار، والمبنى يمكن أن يتصدع، لكن الوثيقة التي تنجو من الركام تستطيع أن تعيد للأجيال صورة عن المكان الذي كان، وعن العلماء الذين عاشوا فيه، وعن مجتمع ترك وراءه معرفة تستحق أن تُصان.

وتقول العمصي إن الجائزة ليست نهاية الطريق، بل "بداية لمسؤولية أكبر"، ودافع لمواصلة ترميم وتوثيق وإتاحة ما تبقى من تراث غزة.

ورغم أن جزءا كبيرا من مكتبة المسجد أصبحت تحت الركام، تقول إن حلمها أن تعود يومًا، لتصبح ذاكرة مفتوحة لأبناء غزة وفلسطين وللباحثين في كل العالم".

وهكذا، لا تبدو معركة المخطوطات في غزة مجرد محاولة لإنقاذ كتب نجت من القصف؛ إنها محاولة لحماية حق شعب في ذاكرته، وحق الأجيال المقبلة في أن تعرف تاريخ مدينتها وعلمائها وثقافتها.

المصدر / فلسطين أون لاين