على كرسيها المتحرك، حضرت مروة رسمي برهوم إلى مسجد القبة في مواصي خانيونس، لا لتروي للعالم فقط قصة إصابتها وفقدها، بل لتشهد على حكاية أخرى أكثر عمقًا؛ حكاية امرأة أنهكها القصف، أفقدها القدرة على الحركة، وانتزع منها خمسة من أفراد عائلتها، لكنها لم تفقد ما كان يمنحها القوة على الاستمرار: القرآن الكريم.
منذ سنوات، تحفظ مروة كتاب الله، وفي رمضان عام 2024 أصيبت بقصف إسرائيلي أدى إلى إصابتها بشلل نصفي، في حين فقدت اثنين من إخوتها، وابنتها البكر، وأختها، وزوجة أخيها، وبين الألم والفقد، بقي القرآن بالنسبة لها ملاذًا وسلوى.
تقول مروة لصحيفة "فلسطين" إنهم ما زالوا على “درب القرآن”، فهو يمثل لها “السلوى والشفاء”، وكأنه مساحة آمنة تلجأ إليها كلما أثقلتها الحرب بما حملته من ألم وغياب.
وفي مواصي خانيونس، حيث لجأ النازحون إلى مواصي خانيونس بعد أن أجبرهم القصف والنار على ترك منازلهم، لم تكن قصة مروة وحدها التي تختصر علاقة أهل غزة بالقرآن.
هناك وتحديدا في مسجد القبة اجتمع الأهالي والقائمون على حفل تكريم 63 حافظًا وحافظة لكتاب الله، في مشهد بدا مختلفًا عن صور الحرب المعتادة؛ لا صراخ ولا جنازات ولا ركام، بل أطفال ونساء وكبار سن يحملون شهادات حفظ القرآن، ويحتفون بإنجاز تحقق في واحدة من أقسى مراحل حياتهم.
من بين هؤلاء كانت لمار مدحت أبو محسن، أصغر الحافظات، التي بدأت رحلة حفظ القرآن قبل عامين، وأتمتها خلال الحرب.
واجهت لمار الخوف والقصف والتعب وصعوبة الحفظ، كما خشيت أن تنسى ما حفظته في ظل الظروف القاسية، لكنها واصلت حتى وصلت إلى هدفها.
ولم تكن الحرب بعيدة عن قلبها؛ فقد فقدت جدتها وعمتها وعددًا من أقاربها، ومع ذلك، تقول ببساطة تختصر حجم التحدي: “رغم هيك حفظت القرآن”.
أما سعاد مصطفى شحادة، البالغة 64 عامًا، فقد بدأت حفظ كتاب الله في أكتوبر/تشرين الأول 2023، وأتمته خلال عشرة أشهر فقط، لم يكن ذلك في ظروف عادية، بل وسط الجوع والخوف والنزوح والقصف.
تقول سعاد إن الله جعل من المحنة منحة، فاستغلت وقتها في حفظ القرآن ليلًا ونهارًا، وكانت تخشى أن يأتي أجلها قبل أن تحقق حلم حياتها، كانت تتسابق مع الزمن، كما تقول، حتى أتمت حفظ كتاب الله.
ثلاث قصص مختلفة في العمر والتجربة، لكنها تلتقي عند نقطة واحدة: القرآن كان حاضرًا في أكثر اللحظات قسوة.
الداعية جميل مطاوع يرى في هذا المشهد أحد أسرار الثبات الذي يراه في غزة، مشيرًا إلى أطفال حفظوا القرآن خلال أشهر قليلة، وتوأم أتمتا حفظه في أقل من عام، وفتاة يتيمة أرادت أن تهدي لوالدها الراحل “تاج الوقار”.
ويقول إن ما تشهده غزة من إقبال على القرآن يتجاوز حدود هذا الاحتفال، إذ تضم حلقات التحفيظ أعدادًا كبيرة من الأطفال والنساء والرجال، في وقت تعاني فيه غزة ظروفًا إنسانية قاسية ونقصًا في المصاحف ومستلزمات الحياة الأساسية.
ومن جانبه، يوضح أحمد باسم أبو دلال، مدير جمعية حراء للتنمية المجتمعية، أن مخيم “سراج القرآن” الأول ضم 130 طالبًا وطالبة، اجتاز 63 منهم اختبارات وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، ليحصلوا على شهادات معتمدة.
ويؤكد أبو دلال أن هذا الإنجاز يحمل رسالة تتجاوز حدود حفظ القرآن؛ فحتى في الخيام، ومع الجوع والنزوح والتشرد، ما زالت الإرادة الفلسطينية متمسكة بكتاب الله، وتبحث عن طريق للثبات والنجاح.
في مواصي خانيونس، حيث تحولت الخيام إلى مأوى لمئات آلاف النازحين، حمل الحفل معنى يتجاوز التكريم، فهنا، وسط منطقة دفعت إليها آلة الحرب الإسرائيلية من اقتلعت بيوتهم، كان أطفال ونساء وكبار سن يقولون بطريقتهم إن القصف قد يهدم المنازل، والنزوح قد يقتلع الإنسان من مكانه، والفقد قد يترك جرحًا لا يلتئم، لكن ما يستقر في الصدور لا تهدمه الحرب.
وهكذا، تبدو حكاية مروة على كرسيها المتحرك، ولمار رغم فقدها وخوفها، وسعاد في عامها الرابع والستين، امتدادًا لحكاية أكبر؛ حكاية شعب يبحث وسط الموت عن معنى للحياة، ويجد في القرآن ملاذًا للسكينة، ومصدرًا للصبر، ودافعًا لمواصلة الطريق.
إنه المشهد الذي أراد القائمون على الاحتفال أن يوصلوه إلى العالم: غزة لا تحفظ القرآن بعيدًا عن الحرب، بل تحفظه في قلب الحرب، وبين الخيام، وتحت وطأة القصف والفقد؛ وكأنها تقول إن أحد أسرار ثباتها هو ذلك الكتاب الذي حملته من البيوت المدمرة إلى مخيمات النزوح، ومن أيدي الآباء والأمهات إلى صدور أبنائهم.

