في خيمة اقتُطعت من الجغرافيا القاسية لمنطقة "الإقليمي" بمواصي خانيونس، لم تكن مجرد حلقة تحفيظ عادية في مركز "إمام الوحي القرآني"، بل كانت مساحة يقتنص منها الأطفال براءتهم ويغزلون فيها أحلامهم مع آيات كتاب الله.
هناك، بين أزقة المخيم القاتمة، التقت طفلتان جمعهما الاسم، والطفولة، وشغف القرآن: الطفلة الشهيدة صبا نعيم الحشاش (13 عاماً)، وصديقتها المصابة صبا صائب أبو مذكور (7 أعوام).
لحظة واحدة غيّرت كل شيء
في ذلك اليوم المشهود، كانت الصغيرتان تجلسان جنبًا إلى جنب تتنافسان في الحفظ.
تقول محفظتهما ميرفت دهليز لصحيفة "فلسطين" وهي تستذكر تلك اللحظات المروعة: «بينما كنا في حلقة التحفيظ وأصوات التلاوة تعلو في المكان، تقدمت دبابات الاحتلال وطائراته نحو خيام النازحين، وأطلقت الرصاص الحي والعشوائي المباشر على المصلى وخيام النازحين».
في لمحة عين، اختلطت أوراق المصاحف بالدماء الزكية، أُصيبت صبا الحشاش إصابة بالغة برصاصة في الرأس، لترقد يومين في العناية المكثفة بمستشفى ناصر الطبي قبل أن ترتقي شهيدة محلقة بآياتها، أما صبا أبو مذكور، ذات الأعوام السبعة، فاخترقت رصاصة غادرة رقبتها في أثناء تلاوتها.
جسد قيده الشلل وروح تحلق بالقرآن
استيقظت صبا الصغيرة من رحلة تنقل مريرة بين المستشفيات – من "الصليب" إلى "ناصر" وصولاً إلى "الهلال" – لتجد نفسها في مواجهة واقع جديد أليم؛ إصابة بالنخاع الشوكي نتج عنها شلل رباعي يحرم أطرافها من الحركة.
تقول أبو مذكور في كلماتها العفوية: «دخلت الرصاصة برقبتي، والبنت اللي جنبي استشهدت صبا الحشاش... أنا هلقيت معظم وقتي بمستشفى الهلال بأعمل تمارين وعلاج طبيعي وظيفي عشان إيدي بتتحركش ولا رجلي بتتحرك".
وتضيف: "نفسي أرجع أمشي وأجري وأروح على المدرسة وألعب مع صاحباتي، ولما أكبر نفسي أكون دكتورة، ونفسي أحفظ القرآن كله".
مرارة الفقد وصبر الآباء
في حفل تكريم 215 حافظاً وحافظة لكتاب الله كاملاً من "فوج جيل الوحي القرآني"، في مسجد القبة بمواصي خانيونس، وقف نعيم الحشاش، والد الشهيدة صبا، مشدود القامة بالرغم من مرارة الحزن، يستحضر تفاصيل يومها الأخير قائلاً: «كانت تحفظ القرآن من الظهر حتى العصر تمهيداً لاختبارها، ثم ذهبت للمصلى، بالرغم من نزوحنا المستمر وعيشنا تحت الرعب والقصف اليومي، كانت مجتهدة وحفظت ثلاثة أجزاء".
ويضيف: "كنت أود أن تكون معي اليوم لتتكرم مع زميلاتها، لكن الله أكرمها بالشهادة عنده، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا: إنا لله وإنا إليه راجعون».
مشهد التكريم: إرادة تقهر العدوان
شهد حفل التكريم لحظات مؤثرة امتزج فيها الفخر بالدموع؛ إذ روت المحفظة ميرفت دهليز قصة الطفلتين أمام الحضور، وتم تكريم عائلة الشهيدة صبا الحشاش، إلى جانب تكريم الطفلة المصابة صبا أبو مذكور التي أصرت على الحضور بالرغم من كرسيها المتحرك ومعاناتها الصحية.
تُجسد قصة الطفلتين "صبا" مأساة أطفال غزة الذين يستهدف الاحتلال الإسرائيلي براءتهم وأحلامهم: صبا الحشاش قضت وهي تمسك بالمصحف، وصبا أبو مذكور تواصل معركتها مع الشلل بثبات، متمسكةً بأمل الشفاء وبحلم إتمام حفظ كتاب الله كاملاً.





