القدس مقدّسة؛ لأنها تحتضن أولى قبلتي المسلمين، المسجد الأقصى. غير أن قداسة القدس في وجدان المسلمين لا تنحصر في كونها القبلة الأولى أو في مكانتها التاريخية فحسب، بل إن القدس تمثل كذلك أحد أعظم الشواهد على انتقال أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلى موقع القيادة في مسيرة التاريخ. فهي تحتضن المسجد الأقصى، الذي كان مسرحًا لحادثة الإسراء والمعراج، تلك الحادثة التي جعلت من القدس نقطة التقاء بين الأرض والسماء، وبين عالم الإنسان وعالم الغيب.
إن إمامة رسول الله صلى الله عليه وسلم للأنبياء في المسجد الأقصى، ثم انتقاله منه إلى حضرة ربه سبحانه وتعالى في رحلة المعراج، تقدّم صورة استثنائية للحقيقة المتكاملة التي جاء بها الإسلام. ففي الإسراء والمعراج لا تظهر الأرض والسماء، والمادة والروح، والإنسان والعالم الإلهي، باعتبارها عوالم منفصلة لا علاقة بينها، وإنما تظهر باعتبارها حلقات متكاملة في حقيقة واحدة.
ومن هنا كانت حادثة الإسراء والمعراج ردًّا إلهيًا عمليًا على كل التصورات التجزيئية التي تفصل بين الدين والحياة، وبين المادة والمعنى، وتحصر الدين في زاوية محدودة من حياة الإنسان.
ومن هنا أصبح على أمة محمد صلى الله عليه وسلم أن تفهم معنى هذا التكامل، وأن تكون أمة واحدة، وأن تحافظ على وحدتها وتماسكها.
فالتصور الإسلامي للإنسان والحياة ليس تصورًا تجزيئيًا. فالإيمان ليس شيئًا منفصلًا عن الحياة، والمادة ليست شيئًا منفصلًا عن المعنى، والدنيا ليست عالمًا منفصلًا عن الآخرة. كل هذه المجالات تتكامل في ظل حقيقة التوحيد.
والتوحيد ليس مجرد الإيمان بوحدانية الله تعالى، بل هو كذلك القدرة على قراءة الحياة كلها في ضوء هذه الوحدة.
وإذا نظرنا إلى تاريخ القدس، أمكننا أن نرى انعكاس هذه الحقيقة في الواقع. فقد تعرضت القدس في مراحل مختلفة من التاريخ للاحتلال، وانتقلت السيطرة عليها بين قوى متعددة، ثم عادت في فترات أخرى إلى الحكم الإسلامي.
غير أن القدس بقيت، عبر هذه التحولات التاريخية، أشبه بمؤشر على حالة العالم الإسلامي: فإذا اجتمع المسلمون على رؤية متكاملة، وحملوا مشروعًا حضاريًا موحدًا، ظهرت آثار قوتهم في القدس، وإذا أصابهم التفكك والانقسام، ظهر أثر ذلك في المدينة المقدسة. ففي المراحل التي استطاع فيها المسلمون الجمع بين المادة والمعنى، وبين الدنيا والآخرة، وبين العقل والوحي، وبين القوة والعدل، بقيت القدس في إطار سلطانهم.
أما حين فقد المسلمون وحدتهم الداخلية، وتجزأت رؤيتهم، وابتعدوا عن الرؤية التوحيدية الشاملة، انتقلت السيطرة على القدس إلى قوى أخرى. ومن ثم فإن تاريخ القدس ليس مجرد تاريخ مدينة انتقلت من يد إلى يد، بل هو في جانب منه تاريخ العلاقة التي أقامها المسلمون مع حقيقتهم الحضارية والإيمانية.
والقدس اليوم أسيرة. غير أن أسر القدس ليس مجرد احتلال لأرض أو مدينة، بل هو في الوقت نفسه انعكاس لحالة التمزق التي يعيشها المسلمون.
فالمسلمون اليوم لا يعانون من الانقسام السياسي وحده، وإنما يعانون كذلك من التجزئة في الفكر والتصور. إن فصل المادة عن المعنى، وحصر الدين في مجال ضيق من مجالات الحياة، والنظر إلى العالم من خلال مقاييس علمانية تجزيئية، كلها عوامل تقف في طريق إعادة بناء وحدة الأمة.
ذلك أن التوحيد في الفعل لا يمكن أن يقوم من دون توحيد في الفكر. ولا يمكن لجماعة أن تجتمع حول هدف واحد ما لم تلتق أولًا على أرضية مشتركة من الحقيقة والتصور. فالفكر المجزأ يولّد إرادة مجزأة، والإرادة المجزأة تنتج مجتمعًا مجزأً وأمة مجزأة. ولهذا فإن انتقال المسلمين من النظرة العلمانية التجزيئية إلى الرؤية التوحيدية المتكاملة يمثل اليوم قضية بالغة الأهمية.
إن نهوض الأمة من جديد ليس مسألة سياسية أو عسكرية فحسب، بل هو قبل ذلك مسألة فكرية وتصورّية وحضارية.
والقدس رمز لهذا التحول. فهي تذكّر المسلمين باستمرار بأصلهم، وبجذورهم، وبنوع الحضارة التي يحملونها في تصورهم للإنسان والحياة. فالمسجد الأقصى هو مسرح الإسراء والمعراج، وأولى القبلتين، وأحد أهم مراكز الذاكرة الإسلامية. ولذلك فإن الدفاع عن القدس لا يعني الدفاع عن قطعة من الأرض فحسب، بل يعني كذلك الحفاظ على وحدة الأمة، وعلى وعيها بتاريخها، وعلى قدرتها على إعادة بناء رؤيتها التوحيدية للحياة.
وللقدس مكانة خاصة عند الأتراك أيضًا. فقد ظلت القدس قرونًا طويلة جزءًا من الدولة العثمانية، شأنها في ذلك شأن مراكز كإسطنبول ودمشق والقاهرة، وكانت جزءًا أصيلًا من المجال العثماني. ولم ينظر العثمانيون إلى القدس باعتبارها أرضًا سياسية فحسب، بل تعاملوا معها باعتبارها مدينة مقدسة ذات مكانة دينية وعلمية وحضارية، وحرصوا على صيانة عمرانها ومؤسساتها ونظام التعايش بين مكوناتها المختلفة.
ولهذا الارتباط التاريخي العميق، فإن القدس بالنسبة إلى الأتراك ليست قضية دينية فحسب، وإنما هي كذلك قضية تاريخية ووطنية. وما ينبغي أن نفعله اليوم ليس أن ننظر إلى القدس باعتبارها مدينة فقدناها فحسب، بل أن نسأل: لماذا فقدناها؟ وما التحول الذي نحتاج إليه حتى نستعيد قدرتنا على حماية مقدساتنا؟ إن الطريق إلى القدس يمر أولًا عبر إعادة بناء الإنسان المسلم وإعادة بناء الأمة على أساس من الوحدة والتكامل.
فالقدس تذكّرنا بحقيقة واضحة: حين يفقد المسلمون وحدتهم، تُفقد القدس؛ وحين يستعيدون وحدتهم، تعود القدس إلى الظهور في أفق الأمة. ولهذا فإن قضية القدس هي، في جوهرها، قضية استعادة الأمة لوحدتها.
إن علينا أن نبني من جديد تصورًا حضاريًا متكاملًا لا يفصل بين المادة والمعنى، ولا بين العقل والوحي، ولا بين الدنيا والآخرة؛ لأن حرية القدس لن تكون مجرد تحرير لمدينة مقدسة، بل ستكون كذلك علامة على عودة المسلمين إلى حقيقتهم، واستعادتهم لوعيهم ووحدتهم ودورهم في التاريخ.

