المعركة تحتاج إلى غضب، وتحتاج إلى همة، وتحتاج إلى قوة. فالإنسان حين يؤمن بحقيقة تستحق أن يناضل من أجلها، يحمل في داخله أولاً ناراً تدفعه إلى الدفاع عنها.
يغضب أمام الظلم، ويُظهر العزيمة لاستعادة ما فقده، ويبحث عن القوة التي تمكّنه من تجاوز العقبات. فالمواجهة حركة تبدأ في داخل الإنسان قبل أن تظهر في واقعه. وإذا لم يكن في الداخل شيء يتحرك، فمن الصعب أن ننتظر في الخارج مسيرة كبيرة.
ولعل من أثقل مشكلات المسلمين اليوم أن أسباب المواجهة لم تنقصهم، لكن إرادة المواجهة نفسها أخذت تضعف. ففي أماكن كثيرة من العالم تتوالى المآسي، وتتسع دوائر الظلم، وتهدم المدن، ويُهجّر الناس من ديارهم، ومع ذلك لا تأتي ردود الفعل في كثير من الأحيان بمستوى يتناسب مع حجم الأحداث.
وكأن صمتاً ثقيلاً قد ألقى بظلاله على مساحة واسعة من العالم الإسلامي. وهذا الصمت ليس مجرد امتناع عن الكلام. نحن أمام حالة أعمق؛ حالة يتعلم فيها الإنسان كيف يتعايش مع الشر بدلاً من مقاومته، وكيف يتعامل مع العجز على أنه قدر لا يمكن تغييره، وكيف يحوّل عجزه عن الفعل إلى عذر دائم.
ومع مرور الزمن يفقد الإنسان حساسيته تجاه ما كان يؤلمه. يبدأ أولاً بخفض صوته، ثم يؤجل اعتراضه، ثم يصل إلى مرحلة يرى فيها أن الاعتراض نفسه لم يعد ضرورياً.
وهنا يكمن الخطر الحقيقي. فقوة الأمة لا تقاس فقط بما تملكه من سلاح وجيوش وثروات ونفوذ سياسي. هناك قوة تسبق كل ذلك: الإرادة.
فإذا وجدت الإرادة أمكن تجاوز كثير من حالات النقص، ومعالجة التشتت، وفتح الطرق التي تبدو مغلقة. أما حين تضيع الإرادة، فإن أعظم الإمكانات قد تتحول إلى طاقات معطلة؛ تبقى الثروة بلا حركة، ويبقى العلم بعيداً عن العمل، وتبقى الجماهير عاجزة عن التحول إلى قوة اجتماعية فاعلة.
ولهذا فإن اختزال مشكلة المسلمين اليوم في القول: "لا نملك القوة" لا يكفي. ولعل السؤال الأهم هو: هل ضعفت إرادتنا لأننا فقدنا القوة، أم أننا فقدنا القوة لأن إرادتنا ضعفت؟
إن التاريخ يدفعنا إلى التفكير جدياً في الاحتمال الثاني. فنهضة أي حضارة تبدأ في العقل والوجدان قبل أن تظهر في السياسة والاقتصاد.
حين يتوقف الإنسان عن رؤية نفسه كائناً سلبياً، ويدرك أن الظروف لا تحكمه وحدها، وأنه قادر أيضاً على تغيير الظروف، يبدأ التاريخ في الحركة من جديد.
ولهذا ينبغي أولاً أن ندرك أن ما فقدناه لم يكن أرضاً أو ثروة أو نفوذاً سياسياً فحسب؛ فقد يكون الخسارة الأشد هي فقدان الإنسان ثقته بقدرته على الفعل.
ويواجه المسلمون اليوم خطر التحول من أمة قادرة على التأثير في العالم إلى جماهير تكتفي بمشاهدة ما يجري فيه. نتابع الأخبار، ونغضب، ونحزن، ونتحدث، لكن هذه المشاعر لا تتحول في كثير من الأحيان إلى إرادة مستمرة، أو هدف مشترك، أو عمل منظم. هناك مشاعر، لكن ينقصها الاتجاه.
وهناك كلام، لكن تنقصه الاستمرارية. وهناك جماهير، لكن الإرادة المشتركة لا تزال ضعيفة. ومع ذلك، فالغضب وحده ليس كافياً. فالغضب إذا انفصل عن العقل والأخلاق قد يتحول إلى هدم. والطموح وحده ليس خلاصاً، فقد يقود الإنسان إلى الأنانية. والقوة إذا فقدت وجهتها قد تتحول من أداة للعدل إلى وسيلة للظلم. ولذلك فإن المطلوب ليس غضباً منفلتاً ولا طموحاً أعمى، وإنما إرادة متجهة نحو الحق. وحين تصبح القوة خادمة لهذه الإرادة، تكتسب معناها الحقيقي.
ولعل هذا هو الموضع الذي ينبغي أن نبدأ منه من جديد. أن نتوقف عن سؤال: "لماذا يفعل الآخرون هذا؟" وأن نسأل بدلاً منه: "ماذا نفعل نحن؟". وأن نتوقف عن حساب قوة الآخرين قبل أن نحرك إمكاناتنا. وأن نبدأ بخطوات صغيرة، لكنها ثابتة، بدلاً من انتظار نتائج ضخمة لا تأتي. وأن نحول ردود الفعل الفردية المتفرقة إلى وعي مشترك، ثم إلى عمل منظم ومستمر. فلم يحدث في التاريخ تغيير كبير بمجرد الشكوى.
قد يكون التراب الذي أُلقي علينا اليوم كثيفاً وثقيلاً، لكن إذا بقيت تحت هذا التراب علامة من علامات الحياة، فإن السؤال الحقيقي ليس عن وجود التراب، بل عن كيفية إخراج تلك الحياة من تحته وإعادتها إلى الوقوف. قد ترتفع من الأعماق سَعلة. وحين يسمع الإنسان ذلك الصوت، يمكنه أن يفسره بطريقتين: "إن المريض بدأ يتعافى"، أو "إن الموت لم يكتمل بعد." أما أي الاحتمالين سيكون حقيقة في حال المسلمين، فسيتحدد بما سيفعلونه بعد ذلك. فالحياة ليست مجرد ألا نموت. الحياة أن نستطيع أن ننهض من جديد.

