لم يعد الإنسان المعاصر يعيش وفق مبادئ واضحة كما كان يُفترض بالإنسان أن يعيشها؛ فالمبدأ في جوهره موقف، والموقف يقتضي أن تعرف أين تقف، وماذا تقبل، وماذا ترفض. غير أن ثقافة العصر الحديث أخذت تدفع الإنسان شيئًا فشيئًا نحو منطقة رمادية واسعة، لا حدود فيها واضحة ولا مواقف فيها حاسمة.
حتى صار الإنسان الذي لا يضع لنفسه حدودًا، ولا يلتزم بموقف ثابت، ولا يقول «نعم» أو «لا» بصورة قاطعة، أقرب إلى النموذج المقبول اجتماعيًا.
وليس غريبًا، في ظل هذه الثقافة، أن تُستقبل المواقف الواضحة بشيء من الريبة. فمن يملك «نعم» صريحة و«لا» صريحة قد يُتهم بالتشدد، ومن يرفض أن يساوم على بعض قناعاته قد يُوصم بالراديكالية. وكأن الاعتدال لم يعد يعني القدرة على التمييز بين الأشياء، وإنما القدرة على إخفاء الفروق بينها.
وكأن الإنسان كلما تراجع عن حدود قناعاته، أصبح أكثر انفتاحًا، وكلما حافظ عليها أصبح أقل قابلية للعيش مع الآخرين. ولا يعني الاعتراف بتعدد الألوان أن نطالب بلون واحد. فاختلاف الناس في أفكارهم وتجاربهم ومواقفهم أمر طبيعي، بل إن الحياة نفسها لا تستقيم من دون هذا التعدد.
المشكلة تبدأ حين تختلط الألوان كلها حتى تفقد كل واحدة منها خصائصها، فنصل في النهاية إلى لون لا لون له. التنوع ثراء، أما انعدام الملامح فليس تنوعًا؛ إنه أزمة هوية.
لقد أصبحنا نعيش في زمن تتجزأ فيه الأشياء قبل أن تكتمل. حتى المواقف صارت مؤقتة، والقناعات قابلة للتعديل في كل لحظة، والانتماءات قابلة للتفاوض. لا يريد الإنسان أن يخسر شيئًا، ولذلك لا يهب نفسه لشيء كاملًا. يريد أن يحتفظ بالجميع، فينتهي به الأمر إلى ألا يكون قريبًا من أحد تمامًا، ولا بعيدًا عن أحد تمامًا.
ولعل هذا هو السبب في أن "النصف" أصبح وصفًا مناسبًا لكثير من مظاهر حياتنا المعاصرة. علاقات نصف مكتملة، ومواقف نصف واضحة، وقناعات نصف راسخة، ومشاعر لا تصل إلى نهايتها. نحن نعيش كثيرًا من الأشياء، لكننا نادرًا ما نعيشها بكاملها. وكأن العصر الحديث قد علّم الإنسان كيف يحمي نفسه من خسارة كل شيء، لكنه في المقابل لم يعلمه كيف يمتلك شيئًا بصورة كاملة.
المشكلة ليست في أن يراجع الإنسان أفكاره أو يغير بعض مواقفه؛ فالتراجع عن الخطأ فضيلة، ومراجعة الذات دليل حياة. لكن الفرق كبير بين المراجعة وبين انعدام الأصل الذي تُراجع الأشياء في ضوئه.
الإنسان الذي لا يملك معيارًا ثابتًا لا يصبح أكثر حرية بالضرورة؛ قد يصبح فقط أكثر قابلية للتشكل بحسب الظروف والضغوط والمصالح. فالمبدأ ليس جدارًا يعزل الإنسان عن العالم، بل هو الحد الذي يمنحه ملامحه داخله. ومن دون حدود واضحة، قد يتحول الانفتاح إلى ذوبان، والتسامح إلى لا موقف، والمرونة إلى تنازل دائم.
ربما لا تكمن أزمة عصرنا في كثرة الاختلاف، وإنما في فقدان القدرة على أن يكون الإنسان شيئًا محددًا وسط هذا الاختلاف. لسنا بحاجة إلى عالم متشابه، بل إلى أناس يعرفون ألوانهم جيدًا ويحترمون ألوان الآخرين.
فالمشكلة ليست أن نكون مختلفين، وإنما أن نفقد اللون الذي يجعل لاختلافنا معنى. وربما كان أخطر ما أنتجه هذا العصر ليس الإنسان المتطرف، بل الإنسان الذي لا يستطيع أن يكون شيئًا إلى النهاية: لا قريبًا تمامًا ولا بعيدًا تمامًا، لا منتميًا تمامًا ولا منفصلًا تمامًا. إنه إنسان النصف؛ وإن كان هذا الوصف قاسيًا، فربما كان زمننا نفسه قد أصبح زمن النصف.

