لم يعد الضغط الاقتصادي في الضفة الغربية المحتلة مقتصرًا على فقدان آلاف العمال وظائفهم في الداخل المحتل، بل تحول منذ بدء حرب الإبادة على غزة في أكتوبر 2023 إلى أزمة متشعبة تمس الرواتب والسيولة والمصارف والصناعة والزراعة وحركة التجارة، فيما يواجه المواطن ضغوطًا معيشية متزايدة تهدد قدرته على الحفاظ على مستوى حياته ومصادر دخله.
ورغم أن الضفة الغربية لم تشهد الانهيار الاقتصادي والإنساني الذي شهده قطاع غزة، فإن الاقتصاد يعمل بأقل من قدرته الطبيعية. ويؤكد الجهاز المركزي للإحصاء أن الناتج المحلي الإجمالي في الضفة الغربية كان في عام 2025 أقل بنحو 13% مقارنة بعام 2023، رغم تسجيله نموًا بنحو 4.4% مقارنة بعام 2024، في مؤشر على أن التحسن السنوي لا يعني عودة الاقتصاد إلى مستويات ما قبل الحرب.
وتكمن خطورة الأزمة في أنها لم تعد مجرد انخفاض مؤقت في النشاط الاقتصادي، بل باتت تهدد القدرة الإنتاجية نفسها، بما قد يجعل التعافي في المستقبل أكثر صعوبة وكلفة.
بالنسبة للمواطن غسان شحرور، فإن المشكلة "لم تعد فقط في منع العمال من الوصول إلى أماكن عملهم، وإنما أصبحت تمس كل تفاصيل حياة الأسرة".
ويضيف شحرور لصحيفة "فلسطين" أن تأخر صرف رواتب الموظفين أو صرفها بصورة غير منتظمة ينعكس على السوق بأكمله، لأن الموظف الحكومي عندما يتأخر راتبه يقلل مشترياته ويؤجل التزاماته، فتنتقل الأزمة إلى صاحب المحل والمطعم وسائق الأجرة وصاحب العقار.
واظهر البنك الدولي أن متأخرات السلطة المستحقة للموظفين العموميين بلغت نحو 2.85 مليار دولار بنهاية 2025، فيما بلغت المتأخرات للقطاع الخاص نحو 1.82 مليار دولار. كما بلغ إجمالي الدين العام للسلطة نحو 4.8 مليارات دولار، منها 3.3 مليارات دولار اقتراض من القطاع المصرفي المحلي.
ويشير شحرور إلى أن أزمة المقاصة أصبحت جزءًا أساسيًا من المشكلة، معتبرًا أن المواطن يدفع ثمن أزمة مالية لا يملك السيطرة عليها.
وتظهر أهمية المقاصة في كونها المصدر الرئيسي لإيرادات السلطة؛ فقد أفاد البنك الدولي بأن الاقتطاعات الإسرائيلية الشهرية من أموال المقاصة تجاوزت في المتوسط 460 مليون شيكل خلال النصف الأول من 2025، مقابل نحو 200 مليون شيكل قبل أكتوبر 2023، بينما توقفت تحويلات المقاصة بالكامل منذ مايو/أيار 2025 لفترة من العام.
ويكشف سوق العمل حجم الأزمة بصورة أوضح.
ففي الربع الأول من 2026، بلغ عدد العاطلين عن العمل في الضفة الغربية نحو 294 ألف شخص، بمعدل بطالة بلغ 29.5%، فيما وصل إجمالي نقص استخدام العمالة إلى نحو 330 ألف شخص.
أما العمال الفلسطينيون في الداخل المحتل والمستوطنات، فقد بلغ عددهم نحو 53 ألفًا في الربع الثاني من 2026، مقارنة بمئات الآلاف قبل الحرب، وهو ما يعكس حجم الصدمة التي تعرض لها سوق العمل ومصادر دخل الأسر.
أزمة مركبة
الخبير الاقتصادي د. ثابت أبو الروس يرى أن الاقتصاد الفلسطيني يواجه أزمة مركبة لا يمكن اختزالها في ارتفاع البطالة أو تراجع النمو.
وبحسب أبو الروس، فإن احتجاز أموال المقاصة يمثل أحد أهم أسباب الأزمة المالية التي تعانيها السلطة، لأن هذه الأموال تشكل مصدرًا رئيسيًا للإيرادات العامة، وأي اضطراب في تدفقها ينعكس على قدرة الحكومة على دفع الرواتب والوفاء بالتزاماتها تجاه القطاع الخاص والمصارف.
ويحذر أبو الروس في حديثه لصحيفة "فلسطين" من أن استمرار الأزمة المالية لا يضغط على الحكومة فقط، بل ينتقل أثره إلى الاقتصاد الحقيقي؛ فضعف الرواتب والسيولة يؤدي إلى انخفاض الاستهلاك، وتراجع مبيعات الشركات، وتراكم الديون، وتقليص الاستثمار.
ويشير أبو الروس، إلى أن فقدان العمال الفلسطينيين لفرص العمل في الداخل المحتل شكل صدمة كبيرة للسوق الفلسطينية، لأن دخول هؤلاء العمال لم تكن تذهب إلى أسرهم فقط، بل كانت تعود إلى السوق المحلية عبر شراء السلع والخدمات.
ويضيف أن المشكلة الأخطر تكمن في استمرار حالة عدم اليقين، التي تجعل المستثمر ورجل الأعمال أكثر حذرًا في ضخ أموال جديدة، الأمر الذي يضعف فرص خلق وظائف جديدة ويزيد الاعتماد على النشاط الاقتصادي المحدود القائم حاليًا.
ولا تنفصل أزمة المالية العامة عن القطاع المصرفي الفلسطيني.
فبحسب البنك الدولي، وصل تعرض القطاع المصرفي للقطاع العام، بصورة مباشرة وغير مباشرة، إلى نحو 5.3 مليارات دولار بنهاية 2025، بما يعادل قرابة 42% من إجمالي الائتمان المصرفي. ويشمل ذلك القروض المباشرة للسلطة إضافة إلى انكشاف البنوك من خلال إقراض الموظفين بضمان رواتبهم المستقبلية.
ضغوط متزايدة
من جهته، يرى نور الدين جرادات، رئيس الاتحاد العام للصناعات الفلسطينية سابقا أن القطاع الصناعي يواجه ضغوطًا متزايدة نتيجة تراجع الطلب، ونقص السيولة، وصعوبة حركة العمال والبضائع، وارتفاع كلفة النقل والتشغيل.
ويؤكد جرادات لصحيفة "فلسطين" أن الصناعة لا تستطيع العمل بمعزل عن بقية الاقتصاد؛ فالمصنع يحتاج إلى عامل يصل إلى عمله، ومواد خام تصل في الوقت المناسب، وسوق قادر على شراء المنتج، ونظام مصرفي يستطيع تسهيل المدفوعات والتحويلات.
وتؤكد بيانات الإحصاء حجم الضرر الذي أصاب القطاع؛ فقد كان النشاط الصناعي في الضفة الغربية في 2025 أقل بنحو 21% مقارنة بعام 2023، بينما انخفض نشاط البناء بنحو 29% خلال الفترة نفسها.
ويشير جرادات إلى أن المنشآت الصغيرة والمتوسطة هي الأكثر تعرضًا للخطر، لأنها لا تملك احتياطيات مالية كبيرة تسمح لها بتحمل فترات طويلة من انخفاض المبيعات وارتفاع التكاليف.
ويرى أن استمرار الأزمة لفترة طويلة قد يؤدي إلى إغلاق منشآت صناعية أو تقليص إنتاجها، ما يعني فقدان وظائف إضافية وإضعاف القدرة الإنتاجية المحلية.
ويشدد جرادات على أن دعم الصناعة لا يجب أن يقتصر على القروض أو الإعفاءات، بل يحتاج إلى بيئة اقتصادية تسمح بحركة العمال والبضائع، وتوفر السيولة، وتحمي الإنتاج المحلي وتفتح المجال أمام الصادرات

