فلسطين أون لاين

وسط تحذيرات أممية من هشاشة الأمن الغذائي

"معركة يومية".. تقليص الخبز المدعوم يضيّق الخيارات أمام الأسر بغزة

...
أطفال يقفون أمام إحدى التكيات انتظار الحصول على الطعام (تصوير- محمود أبو حصيرة)
غزة/ صفاء عاشور:

في حي تل الهوا جنوب غربي مدينة غزة، لم تعد ربطة الخبز مجرد مادة غذائية توضع على مائدة الأسرة، بل أصبحت بالنسبة إلى كثير من العائلات معيارًا لقدرتها على تأمين وجبة اليوم.

ومع تراجع كميات الخبز المدعوم، وتقليص عدد الربطات التي تحصل عليها المحال من برنامج الأغذية العالمي، بات الوصول إلى الخبز يحتاج إلى انتظار أطول، ومحاولات متكررة، وأحيانًا العودة إلى المنزل من دون الكمية التي تحتاج إليها الأسرة.

المشهد في الحي يتغير تدريجيًا؛ فالمحال التي كانت تحصل على كميات محددة من الخبز المدعوم لم تعد قادرة على تلبية الطلب المتزايد، في حين تتحدث أسر عن توقف مزيد من نقاط التوزيع والمخيمات عن الحصول على حصتها، الأمر الذي يدفع المواطنين إلى البحث عن محال أخرى، في وقت لا تسمح فيه القدرة الشرائية لمعظم الأسر بشراء الخبز من السوق بأسعاره غير المدعومة والتي تصل إلى 8 شوقل.

ولا تأتي هذه الأزمة بمعزل عن الواقع الغذائي الأوسع في قطاع غزة، فبحسب أحدث تحليل للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي IPC الصادر في 23 يوليو/تموز 2026، كان أكثر من 1.2 مليون شخص، أي 59% من السكان، يواجهون مستويات أزمة أو أسوأ من انعدام الأمن الغذائي بين منتصف أبريل/نيسان ونهاية يونيو/حزيران، بينهم 212 ألف شخص في مرحلة الطوارئ.

 ويحذر التحليل من تدهور جديد خلال الفترة من يوليو/تموز إلى ديسمبر/كانون الأول، مع توقع وصول عدد الأشخاص الذين يواجهون أزمة أو أسوأ إلى أكثر من 1.4 مليون شخص، أي 67% من السكان.

ربطة أقل.. وقلق أكبر

داخل أحد محال بيع الخبز في تل الهوا، يقف المواطنون في انتظار دورهم، لكن المشكلة لم تعد فقط في طول الطابور، وإنما في إن كانوا سيحصلون على بطاقات تضمن حصولهم على الخبز صباح اليوم التالي.

هنا يقف خميس قدوم نازح من حي الشجاعية إلى حي تل الهوا كان قادرا قبل عدة شهور شراء ربطة خبز بثلاثة شواقل بالإضافة إلى ما يحصل عليه من ربطات خبز من المخيمات المحيطة بمكان سكنه.

يقول في حديث لصحيفة "فلسطين": "عندي عائلة مكونة من 13 فردا وربطة الخبز الواحدة لا تكفي ولكن كنت استطيع الحصول على ربطتين أيضا من المخيمات التي كانت تدعمها منظمة الغذاء العالمي بالطعام والخبز".

ويضيف: "ولكن الوضع الان اختلف بالمخيم الذي كنت احصل منه على الطعام والخبز قلص الغذاء العالمي دعمه واقتصر المستفيدين على قلة ممن يسكنون المخيم".

ويشير إلى أن المشكلة الأبرز أنه لا يملك المال لشراء الخبز بالقدر الكافي ولا يستطيع خبزه في منزله لعدم توفر الاخشاب وغلاء ثمنها، ليعيش أزمة مركبة لا يعرف كيف يتجاوزها هو وعائلته.

أما السيدات، اللواتي يتحملن في كثير من الأسر مسؤولية تدبير الطعام المتاح للأطفال، فيواجهن المشكلة من زاوية أخرى؛ فربطة الخبز التي تنفد سريعًا من البيت تعني البحث عن بدائل، فيما يصعب تأمين الطحين والوقود ومكونات أخرى يمكن استخدامها لإعداد الخبز في المنزل.

فاطمة الغف أرملة تعيش مع أطفالها الأربعة في خيمة بأحد مخيمات تل الهوا، كان مخيمها مدعوم من الغذاء العالمي بثلاث وجبات و3 ربطات خبز يوميا ولكن تقلص هذا الدعم لوجبة وربطة خبز واحدة تحتوي على 10 أرغفة صغير الحجم وهو ما لا يكفيها هي وعائلتها.

تقول في حديث لصحيفة "فلسطين:" بسبب هذا الأمر اضطررت إلى تقليص وجبات الطعام المقدمة إلى عائلتي لوجبة أو وجبتين في احسن الأحوال  ونادرا ما تستطيع شراء ربطة خبز من المحال الخارجية".

وتضيف:" أحاول خبز بعض الخبز في الخيمة إذا توفر عندي بعض الكرتون او الأقمشة البالية ولكن هذا الأمر غير متاح دائماً".

أما مروة دلول تعيش هي الأخرى في أحد مخيمات تل الهوا وتعتمد على ربطة الخبز التي تستلمها من المخيم ولكن اعتمادها الأكبر على ربطة الخبز التي تشتريها من المحال التي يدعمها الغذاء العالمي.

وتوضح في حديث لصحيفة "فلسطين" أنها تضطر إلى ارسال ابنها الكبير يومياً للوقوف في طابور طويل لشراء بطاقة تمكنه من الحصول على ربطة خبز صباح اليوم التالي.

وتشير إلى أن عدد ربطات الخبز المدعومة تم تقليصها بشكل ملحوظ وهو ما قلل من فرص حصولها بشكل يومي واضطرارها للبحث عن بدائل كطبخ الأرز أو المعكرونة.

وبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية OCHA، كانت 28 مخبزًا مدعومًا تنتج، حتى 10 أغسطس/آب، نحو 100 ألف ربطة خبز يوميًا، بوزن كيلوجرامين للربطة، على مستوى قطاع غزة.

وكان نحو 75% من الإنتاج يباع عبر 166 متجرًا متعاقدًا بسعر مدعوم يبلغ 3 شواكل للربطة، بينما يذهب 25% مجانًا إلى أكثر من 300 مأوى وموقع مجتمعي.

لكن هذه الكمية، رغم أهميتها، لا تعني أن احتياجات السكان قد تمت تغطيتها، ففي نهاية يوليو/تموز، قدرت الأمم المتحدة أن إنتاج الخبز المدعوم والمساعدات المرتبطة به يغطي نحو 36% فقط من الاحتياجات اليومية المقدرة للخبز في القطاع.

ويقول برنامج الأغذية العالمي إن نحو 1.5 مليون شخص في غزة يصل إليهم شهريًا عبر مساعدات تشمل الطرود الغذائية، والطحين، والخبز، والوجبات الساخنة، وخدمات التغذية والمساعدات النقدية.

لكنه يؤكد في الوقت نفسه أن نحو 1.4 مليون شخص، أي قرابة ثلثي سكان القطاع، ما زالوا يواجهون مستويات أزمة أو أسوأ من انعدام الأمن الغذائي.

وتحذر المنظمة من أن التحسن المحدود في الأمن الغذائي يظل هشًا، وأن استمرار المساعدات بالمستويات الحالية أمر أساسي لمنع تدهور الوضع مجددًا.

كما تشير إلى أن ما يصل إلى 90% من سكان غزة قد يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي بحلول نهاية العام إذا لم تستمر مستويات المساعدات الغذائية الحالية.

بالنسبة إلى سكان تل الهوا، تبدو الأرقام الأممية بعيدة ما لم تتحول إلى خبز يصل إلى أيديهم. فالمواطن الذي يقف أمام محل لشراء ربطة أو اثنتين لا يتعامل مع مصطلحات مثل "الأمن الغذائي" و"المرحلة الثالثة" و"المرحلة الرابعة"، وإنما مع سؤال أبسط وأكثر إلحاحًا: هل سيعود اليوم إلى منزله ومعه ما يكفي من الخبز لأطفاله؟

المصدر / فلسطين أون لاين