بعد سنوات من العلاج والتأهيل، تمكن الشاب المصاب بالشلل الدماغي مؤمن سعد الله من الوقوف والمشي، لكن حرب الإبادة قطعت جلساته وغيّرت نظامه الغذائي، فبات بحاجة إلى مساندة الآخرين.
فلم تكن الخطوات الأولى لمؤمن سعد الله، البالغ من العمر 27 عامًا، سهلة. احتاجت سنوات من الصبر والعلاج ومحاولات والدته المتواصلة حتى تمكن، رغم إصابته بالشلل الدماغي منذ الولادة، من الوقوف على قدميه والمشي إلى حدّ ما. لكن ما صنعته الأسرة خلال سنوات، هدمته الحرب في وقت قصير، ليعود مؤمن اليوم عاجزًا عن الوقوف والمشي، بعدما فقد كثيرًا من قدراته التي اكتسبها بصعوبة.
صدمة التشخيص
فبعد أشهر قليلة من ولادة مؤمن، بدأت والدته تلاحظ حركات وأعراضًا لم تعتد رؤيتها لدى طفلها، لم تكن تعرف آنذاك أن وراء تلك العلامات حالة صحية سترافقه طوال حياته، خصوصًا أنه كان طفلها الأول وتجربتها الأولى في الأمومة.
تقول لصحيفة "فلسطين": "لم أكن أعلم بإصابته منذ اللحظة الأولى، ولم أعرف مباشرة ماذا تعني تلك الحركات، وعندما بدأت تزداد وتلفت انتباهي، اصطحبته إلى الطبيب للاستفسار، فطلب مني إجراء تخطيط للدماغ، وهناك كانت الصدمة عندما عرفت أنه مصاب بالشلل الدماغي".
ولم يكن التشخيص مجرد خبر طبي بالنسبة إلى الأم، بل بداية طريق طويل من المسؤولية والبحث عن العلاج، فكان مؤمن يعاني صعوبة في الحركة، كما لم يكن قادرًا على تناول الطعام بسهولة، ما اضطرها إلى طحن طعامه وتقديمه له بطريقة تسهّل عليه تناوله.
أم تقاوم من أجل خطوة
بدل أن تتوقف عند وقع الصدمة، بدأت الأم رحلة طويلة بين الأطباء والجمعيات ومراكز التأهيل. كانت تحمله من مكان إلى آخر، وتبحث عن جلسات العلاج الطبيعي والتأهيل، سواء المجانية منها أو التي تضطر الأسرة إلى دفع تكاليفها.
لم تكن تعرف أي طريق سيقود ابنها إلى التحسن، لكنها كانت تخوض الطرق كلها.
ومع مرور الوقت، بدأت جهودها تؤتي ثمارها. تحسنت قدرة مؤمن الحركية تدريجيًا، وتمكن من الوقوف والمشي إلى حدّ ما، لتصبح كل خطوة يخطوها ثمرة سنوات من العلاج والمتابعة.
كان ذلك التقدم بالنسبة إلى والدته إنجازًا كبيرًا؛ فبعد طفل لم يكن قادرًا على الحركة أو تناول الطعام بسهولة، أصبح بإمكانه أن يقف على قدميه ويمشي، ولو بقدرات محدودة.
مسيرة لم تكتمل.
مع اندلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، تغيرت تفاصيل الحياة اليومية التي كان يعتمد عليها مؤمن، توقفت جلسات العلاج والتأهيل أو أصبحت غير متاحة، كما أصبح توفير الطعام المناسب والمطحون الذي يحتاج إليه أكثر صعوبة، في ظل النزوح ونقص الإمكانات.
وتقول والدته إن الوصول إلى أدوية الأعصاب والعلاجات التي تساعده على النوم بات أيضًا أكثر صعوبة، بينما فرضت بيئة الخيام وظروف النزوح تحديات إضافية على رعايته.
تدريجيًا، بدأت حالة مؤمن تتراجع. لم يعد قادرًا على الوقوف على قدميه أو المشي كما كان يفعل قبل الحرب، وأصبح أكثر اعتمادًا على أفراد أسرته في حركته وتنقلاته.
ولا تملك الأسرة كرسيًا متحركًا يساعده على الحركة، في وقت يعاني فيه ضعفًا شديدًا في العظام، يجعل سقوطه خطرًا، إذ قد يتسبب له في كسور.
وخلال النزوح القسري، لم يكن أمام والد مؤمن سوى حمل ابنه على كتفيه عند التنقل من مكان إلى آخر، وحتى في رحلة العودة من جنوب القطاع إلى مدينة غزة، كان مؤمن محمولًا على ظهر والده، بعدما فقد القدرة على المشي.
كما يعاني مؤمن من عدم القدرة على التحكم في البول والبراز، ما يجعله بحاجة مستمرة إلى الحفاضات، وهي حاجة إضافية تثقل كاهل الأسرة التي تعاني أصلًا من وضع مادي صعب.
وتزداد الأعباء مع معاناة والدي مؤمن من الربو، بينما تحتاج رعايته إلى وقت وجهد واحتياجات لا تستطيع الأسرة توفيرها بسهولة.
ولا ترى والدة مؤمن ما حدث لابنها باعتباره مجرد تراجع صحي، بل خسارة لسنوات طويلة من العمل والجهد. مشيرة إلى أنه احتاج وقت طويل حتى وصل إلى مرحلة يستطيع فيها المشي، قبل أن تحرمه الحرب من العلاج المنتظم والظروف التي ساعدته على الحفاظ على قدراته.
واليوم، تجد الأم نفسها أمام رحلة جديدة، شبيهة بتلك التي بدأتها عندما كان طفلًا: البحث عن علاج، وتأهيل، وطعام مناسب، وأدوية، ووسيلة تساعده الحركة.
فمؤمن الذي كانت والدته تلاحق له فرصة علاجية هنا وجلسة تأهيلية هناك، حتى رأته يمشي على قدميه، عاد اليوم بحاجة إلى من يساعده على الوقوف.
يبقى حلم والدته بسيطًا: أن يحصل ابنها على الرعاية التي تمكنه من استعادة بعض قدرته على الحركة، وألا تكون الحرب قد أنهت ما بنته سنوات طويلة من العلاج والصبر.

