في لحظات خاطفة، انتهت حياة صقر نبيل القيسي، المكنى بـ”أبو نبيل”، ممثل مؤسسة “دينيز فيناري” التركية في جنوب قطاع غزة، بصاروخ أطلقته طائرة مسيّرة إسرائيلية استهدف مركبته في مدينة دير البلح وسط القطاع أمس، ليرحل رجلٌ أمضى سنوات الحرب متنقلًا بين النازحين والمحتاجين، حاملاً معهم أعباءً ثقيلة من الإغاثة والعون.
نُقل جثمان القيسي من مستشفى شهداء الأقصى إلى مجمع ناصر الطبي، قبل أن تسير جنازته سريعًا، في مشهد لم يشبه وداع الأحبة.
فلم يتمكن ذوو الفقيد من إلقاء نظرة أخيرة على وجهه، بعدما مزق القصف جسده وأحرقه، ليبقى الوداع محملاً بصدمة الفقد وقسوة المشهد.
كان القيسي، ابن مدينة رفح، واحدًا من الوجوه المعروفة في ميادين العمل الخيري والدعوي، قبل الحرب وخلالها.
يقول محمد الشريف، أحد معارفه، لصحيفة "فلسطين" إن “أبو نبيل” كان من أبرز وجوه العمل الخيري في رفح، وسبّاقًا إلى فعل الخير، إذ تولى إدارة تكية بيت المقدس في تل السلطان قبل الحرب، ثم توسعت مسؤولياته مع اندلاعها ونزوح آلاف المواطنين إلى المنطقة.
ومع اتساع رقعة النزوح القسري، واصل القيسي مهمته، قبل أن ينتقل إلى منطقة المواصي، إذ استكمل عمله الإغاثي، ثم تولى مسؤولية مؤسسة “دينيز فيناري” التركية، التي أشرفت على تنفيذ مشاريع إغاثية وتنموية، من بينها تقديم الطعام للنازحين، وحفر الآبار، وإنشاء المساجد وغيرها من التدخلات.
ويضيف الشريف أن القيسي “تحمل المسؤولية بكل أمانة واقتدار”، واصفًا رحلته بأنها كانت حافلة بالعطاء وجبر الخواطر، وأنه “أدى الرسالة وحمل الأمانة” حتى لحظة استشهاده.
ولم يقتصر نشاط القيسي على توزيع المساعدات، بل امتد إلى محاولات حماية النازحين من المخاطر التي فرضتها الحرب وتدمير البنية التحتية، عبر مؤسسة “دينيز فيناري” التي وقعت بروتوكولات تعاون مع عدد من البلديات، تضمن تدخلات طارئة لحماية مخيمات النازحين من مخاطر تجمع مياه الأمطار، وتوفير الوقود لآليات البلديات لتنفيذ أعمال تصريف المياه وتأمين مراكز الإيواء.
وكان القيسي حاضرًا في هذه الجهود، في وقت باتت فيه مخيمات النازحين تواجه مخاطر متزايدة مع تدهور شبكات الصرف الصحي والبنية التحتية، ونقص الإمكانات اللازمة للاستجابة للمنخفضات الجوية.
خدمة الملهوفين
في رفح، حيث عرفه الناس خطيبًا وداعية ورجلًا في ميادين الإغاثة، يصفه نادر أبو شرخ بأنه “رجل الإسلام العظيم” و”الخطيب المجاهد والمبادر الإنساني”، مشيرًا إلى أنه كرس وقته وجهده لخدمة الملهوفين وإغاثة النازحين.
ويقول أبو شرخ إن رفح تودع أحد أبنائها الذين “كانوا سندًا وعونًا لهذا الشعب”، واصفًا القيسي بالخطيب المفوه و”أسد المنابر”، وبصاحب اليد المعطاءة في صنائع الخير وإسناد المكلومين.
ويستعيد مجدي برهوم جوانب أخرى من شخصية القيسي، قائلًا إن الراحل لم يكن عابرًا في ميادين العطاء، بل ترك أثرًا في الدعوة والإغاثة والتربية، وكان حاضرًا في ساحات تثبيت الناس وإغاثة الملهوف وبناء الإنسان.
أما وسام القططي، فيصف رحيله بأنه غياب “وجه من وجوه الخير”، ورجل جعل من العطاء رسالة ومن خدمة الناس سيرة لا تنسى، مؤكدًا أن أبا نبيل كان أخًا وصديقًا وسندًا لمن عرفوه.
وتتكرر الشهادة ذاتها على لسان محمد أبو شر، الذي يصف القيسي بأنه أحد أبناء رفح الذين خدموا وطنهم وشعبهم، وأنه كان خطيبًا مفوهًا ورجلًا حاضرًا في ميادين الخير وإسناد المكلومين.
وبينما تتناقل منصات التواصل مقطعًا قديمًا من إحدى خطبه، بدا فيه متحدثًا عن الشهداء والموت والرحيل، يستعيد ناشطون كلماته اليوم في سياق استشهاده.

وفي المقطع، تحدث القيسي عن الذين رحلوا شهداء، وعن نظرته إلى الشهادة باعتبارها فوزًا وكرامة، مؤكدًا أن الموت لا ينهي مسيرة أصحاب المبادئ، وأن أثرهم يبقى ممتدًا.
لكن الكلمات التي قالها في خطبته قبل سنوات تبدو اليوم، بالنسبة إلى من عرفوه، أكثر حضورًا من أي وقت مضى، بعدما انتهت حياته بالطريقة التي تحدث عنها أمام الناس، تاركًا وراءه سيرة ارتبطت بالدعوة والعمل الخيري وخدمة النازحين.
رحل صقر القيسي دون أن يحظى أهله بوداعه الأخير، ودون أن يتمكنوا من رؤية وجهه للمرة الأخيرة، بعدما حوّل الصاروخ الإسرائيلي جسده إلى أشلاء محترقة.
وبينما غاب الجسد سريعًا في جنازة عاجلة فرضتها قسوة الحرب، بقيت سيرته حاضرة في شهادات أصدقائه ومعارفه، وفي وجوه آلاف النازحين الذين ارتبط اسمه بمحاولات إغاثتهم وإسنادهم.
غاب “أبو نبيل”، كما يقول من عرفوه، لكن أثر الرجل الذي أمضى سنواته في خدمة الناس لم يغب؛ فقد ترك خلفه ذاكرةً تختصرها كلمات مجدي برهوم: “غاب الجسد، وبقي الأثر”.

