فلسطين أون لاين

البروانة.. رجلٌ باع ولاءه فخسر الجميع

في صفحات التاريخ شخصيات لا تستحق أن تُقرأ قصصها باعتبارها مجرد حكايات عن صراعات على السلطة، بل باعتبارها دروساً في طبيعة الإنسان عندما يضع مصلحته فوق كل اعتبار. ومن أبرز هذه النماذج معين الدين سليمان البروانة، الذي ظهر في مرحلة شديدة الاضطراب من تاريخ سلاجقة الروم، حين كانت المنطقة تعيش صراعاً محتدماً بين المغول والمماليك. كان البروانة صاحب نفوذ وطموح كبير، وكان يطمح إلى الوصول إلى عرش السلاجقة، لكن مشكلته لم تكن في الطموح ذاته، وإنما في الطريقة التي حاول بها تحقيقه؛ فقد جعل من الصراع بين القوى الكبرى وسيلة لخدمة مشروعه الشخصي، ولم يتردد في تغيير مواقفه والتحريض على هذا الطرف حيناً، وعلى خصمه حيناً آخر، بحسب ما تقتضيه مصلحته.

لم يكن البروانة مجرد رجل يحاول الوقوف في المنتصف بين قوتين متصارعتين، كما قد يوحي بذلك وصف سياسته بالمناورة أو التوازن. فقد كان يذهب إلى المغول ويشجعهم على مواجهة الظاهر بيبرس، ثم يعود فيرسل إلى بيبرس ويحثه على القتال ويعده بالوقوف إلى جانبه. كان يقدم لكل طرف ما يريد سماعه، ويستثمر مخاوفه وطموحاته، محاولاً أن يبقى هو المستفيد الأكبر من الصراع. ولذلك فإن وصفه بالسياسي البراغماتي قد يكون متسامحاً أكثر مما ينبغي؛ فما فعله لم يكن مجرد براعة في إدارة التوازنات، وإنما كان تلوّناً سياسياً وانتهازية واضحة، جعلت الولاء عنده موقفاً مؤقتاً يتغير كلما تغيرت حساباته.

والأخطر في هذه القصة أن البروانة لم يكن يتحرك وفق تصور واضح لمصلحة دولة سلاجقة الروم، بل وفق سؤال آخر: كيف يمكن أن أخدم طموحي وأبقى قريباً من مركز القوة؟ وهنا تبدأ الخيانة السياسية في أخطر صورها؛ عندما يصبح المسؤول مستعداً لاستخدام الدولة والصراعات المحيطة بها سلماً للوصول إلى غايته الشخصية. فليس عيباً أن يناور السياسي، وليس عيباً أن يغيّر تحالفاته عندما تقتضي مصلحة بلاده ذلك، لكن الفارق كبير بين من يغيّر موقفه حماية لدولته، ومن يغيّر موقفه حماية لموقعه. الأول يمارس السياسة، أما الثاني فيحوّل السياسة إلى سوق للمصالح الشخصية.

وقد ظن البروانة، على ما يبدو، أن بإمكانه الاستمرار في هذه اللعبة إلى ما لا نهاية؛ أن يحرض المغول على بيبرس دون أن يخسر بيبرس، وأن يعد بيبرس بالوقوف معه دون أن يخسر المغول، وأن يبقى هو الحلقة التي تحتاج إليها جميع الأطراف. لكن هذه السياسة تحمل في داخلها بذرة نهايتها؛ لأن من يجعل الجميع أدوات في مشروعه، يتحول هو نفسه في النهاية إلى أداة في يد الأقوى. فالتحالفات التي تقوم على المصلحة وحدها لا تمنح صاحبها الأمان، وإنما تمنحه مهلة مؤقتة، وما إن تتغير موازين القوى حتى يجد نفسه بلا حليف حقيقي.

وعندما دخل الظاهر بيبرس الأناضول سنة 675هـ/1276م، ووقعت معركة البستان التي هُزم فيها الجيش المغولي، دخلت اللعبة مرحلة جديدة. ولم تمضِ فترة طويلة حتى انتهى أمر البروانة نفسه، فقُتل على يد أبغا خان. وهكذا كانت المفارقة قاسية: الرجل الذي أمضى سنوات في تحريك الآخرين ضد بعضهم، والذي حاول أن يبقى مستفيداً من صراع المغول والمماليك، لم يستطع في النهاية أن يحمي نفسه من أحد الطرفين. لقد اكتشف متأخراً أن من يبيع ولاءه باستمرار لا يستطيع أن يطالب الآخرين بالوفاء عندما تأتي لحظة الخطر.

وهنا تكمن العبرة التي تتجاوز شخص البروانة إلى طبيعة العمل السياسي نفسه. فالمرونة مطلوبة، والمناورة مشروعة، وتغيير التحالفات قد يكون أحياناً ضرورة تفرضها مصلحة الدولة؛ لكن كل ذلك يفقد معناه عندما يصبح الكرسي هو البوصلة الوحيدة. السياسي الذي يختلف مع خصمه اليوم ثم يصالحه غداً من أجل مصلحة بلاده يستطيع أن يحتفظ باحترامه، أما الذي يحرض هذا الطرف على ذاك، ثم ينتقل إلى الطرف الآخر بالوعود نفسها، فلا يمارس سياسة بقدر ما يبيع مواقفه لمن يدفع الثمن الأعلى. وفي لحظات الصراع الكبرى، قد ينجح هذا النوع من السياسيين في تأجيل نهايته، لكنه يعجز عن صناعة تحالف يقوم على الثقة؛ لأن الجميع يعرف أن موقفه قابل للبيع عند أول تغير في ميزان القوة.

ولذلك فإن نهاية البروانة تحمل دلالة أعمق من مجرد سقوط رجل طموح. لقد حاول أن يجعل من تناقض القوى الكبرى سلماً يصعد به إلى السلطة، فانتهى به الأمر ضحية للتناقض نفسه. فالذي لا يملك قضية يدافع عنها، ولا مبدأ يضبط طموحه، يصبح أسيراً للجهة الأقوى في كل لحظة، ثم يدفع ثمن انتقاله بين الولاءات عندما تتغير موازين القوى. وربما كان أقسى ما في قصته أن طموحه لم يمنحه العرش الذي سعى إليه، بينما منحته أفعاله مكاناً في التاريخ لا يحسد عليه. وهذه هي العبرة: السلطة التي تُطلب بأي ثمن قد تُفقد بأي ثمن، أما الولاء الذي يُباع مرة، فمن الصعب أن يستعاد بعد ذلك.

المصدر / فلسطين أون لاين