من أخطر ما يمكن أن يصيب العمل الإسلامي أن ينسى أصحابه، ولو من حيث لا يشعرون، أن لهذا الدين صاحبًا، وأن صاحب الدين ليس حزبًا ولا زعيمًا ولا دولة، وإنما هو الله رب العالمين.
لقد عرف المسلمون في مراحل سابقة معنى أن يدفعوا أثمانًا باهظة من أجل تبليغ دينهم، وإقامة الفعاليات، وبناء المؤسسات، وتحريك المجتمع نحو الخير. لم تكن الطريق يومها سهلة، ولم تكن الظروف السياسية مضمونة، ولم يكن النجاح مرتبطًا بوجود شخصية واحدة في موقع السلطة.
ومع ذلك كانت المسيرة تمضي، وكانت الفعاليات تؤتي ثمارها، وكان للعمل الإسلامي أثر واضح في المجتمع. ثم مع الوقت، حصل نوع من التحول في الوعي. صار جزء كبير من هذا الحراك مرتبط بشخص الزعيم، لدرجة كأن نجاح المشروع الديني صار معتمد على بقائه، وكأن غيابه ممكن يعني نهاية المشروع نفسه. وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.
لما نربط مستقبل الدين بمستقبل شخص، نحط أنفسنا في معادلة صعبة: إذا بقي ارتحنا، وإذا غاب خفنا، وإذا تغيرت الظروف السياسية تراجعنا، وإذا ظهرت احتمالات جديدة توترنا. ومع الوقت، يتحول الحذر الطبيعي إلى جبن، والحساب السياسي إلى تردد، والتدبير إلى تعطيل. وليس المقصود هنا التقليل من قيمة القادة أو إنكار فضلهم. فالإنصاف يقتضي الاعتراف بأن بعض القيادات قد تفتح أبوابًا للعمل، وتوفر مساحات للحركة، وتمنح المؤسسات فرصًا لم تكن متاحة من قبل.
لكن الخطأ يبدأ عندما نخلط بين السبب والمسبب، وبين الوسيلة والغاية، وبين صاحب القرار السياسي وصاحب الدين.
لقد عمل المسلمون قبل هذه التجارب، وسيعملون بعدها. وسيبقى الدين قبل الأشخاص وبعد الأشخاص. وهذه ليست قضية سياسية، وإنما حقيقة إيمانية ينبغي أن تستقر في أعماق الوعي.
قال الله تعالى: ﴿وما النصر إلا من عند الله﴾. وقال سبحانه: ﴿وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين﴾. المطلوب إذن ليس أن نتخلى عن السياسة، ولا أن نغفل عن موازين القوة، ولا أن نتعامل مع الواقع بسذاجة.
بل المطلوب أن نعيد ترتيب علاقتنا بهذه الموازين: نستخدم الأسباب، لكن لا نعبد الأسباب؛ نحترم القادة، لكن لا نقدسهم؛ نستفيد من الفرص السياسية، لكن لا نجعلها شرطًا لاستمرار الدين والعمل له.
فالذي جعل الدعوة تنتشر في زمن ضعف المسلمين قادر على أن ينصرها في زمن قوتهم وضعفهم. والذي فتح الأبواب في مرحلة معينة قادر على أن يفتح أبوابًا أخرى في مرحلة مختلفة. والذي حفظ العمل الإسلامي في ظروف كان فيها الثمن باهظًا، قادر على حفظه حين تتغير الظروف.
المشكلة أن الخوف حين يستولي على النفوس لا يكتفي بإيقاف المبادرات، بل يبدأ في استنزاف الرصيد الأخلاقي أيضًا.
يصبح الإنسان مستعدًا للتنازل عن مواقف كان يراها بالأمس من الثوابت، فقط لأنه يخشى خسارة مكسب سياسي عابر.
وتصبح المؤسسات أكثر اهتمامًا بحسابات البقاء من اهتمامها برسالتها، ويصبح الصمت أحيانًا أسهل من قول الحق، والتراجع أكثر أمانًا من المبادرة. وهنا ينبغي أن نسأل أنفسنا بصدق: ماذا كسبنا من كل هذا القلق؟ إذا كانت النتيجة أن الفعاليات لم تعد كما كانت، وأن الحضور الاجتماعي لم يعد بالقوة نفسها، وأن المبادرة خفتت، وأن الأجيال الجديدة لم تعد ترى ذلك الزخم الذي عرفته الأجيال السابقة، فعلينا أن نراجع أنفسنا.
ليس المطلوب أن ندخل في مواجهة مع أحد، ولا أن نتعامل مع المستقبل بمنطق التحدي السياسي. المطلوب فقط أن نستعيد الثقة بالله، وأن نتحرر من وهم أن مصير العمل الإسلامي متعلق بمصير فرد.
لقد دفع السابقون من أعمارهم وأموالهم وراحتهم وسمعتهم أثمانًا باهظة لأنهم كانوا يؤمنون بأن القضية أكبر من الأشخاص. فلا ينبغي أن نهدر هذا الرصيد البشري والأخلاقي بسبب حسابات سياسية زائفة، ولا أن نرهن ما بناه جيل كامل لمعادلات قد تتغير في لحظة. السياسة متغيرة، والأشخاص يتغيرون، والتحالفات تتبدل، والظروف تأتي وتذهب. أما الدين فباقٍ. ولذلك، فإن أول ما نحتاج إليه اليوم ليس خطة سياسية جديدة، وإنما تصحيح البوصلة في داخلنا: أن نوقن أن الأمر كله لله، وأننا لسنا أصحاب هذا الدين، وإنما نحن خُدّام فيه، وأن مسؤوليتنا هي أن نسعى ونبذل ونأخذ بالأسباب، ثم نترك النتائج لمن بيده النتائج.
نحن مسؤولون عن السعي، ولسنا مسؤولين عن امتلاك المستقبل. وحين تستقر هذه الحقيقة في النفوس، لن نخاف من ذهاب شخص، ولن نربط قوة الدين بقوة حزب، ولن نقيس مستقبل الدعوة بنتائج الانتخابات، ولن نبيع رصيدنا الأخلاقي من أجل مكسب سياسي مؤقت.
فالذين يحملون رسالة أكبر من الأشخاص لا يخافون على رسالتهم من رحيل الأشخاص. والدين الذي له رب يحفظه، لا يحتاج إلى أن نحمله على أكتافنا وكأن بقاءه متوقف علينا. نحن الذين نحتاج إلى أن يحملنا الله على طريقه، وأن يثبتنا عليه، وأن يجعلنا أهلًا لخدمته.

