تمثل مصادقة حكومة الاحتلال الإسرائيلي على استقدام عمالة أجنبية خطوة إضافية نحو توسيع دائرة الفقر والبطالة في الاقتصاد الفلسطيني، في ظل الإقصاء المتعمد للعمال الفلسطينيين، وفق محلل اقتصادي ومسؤول نقابي.
وحسبما يؤكدان لصحيفة "فلسطين" فإن هذه السياسات الإسرائيلية تحرم عشرات آلاف الأسر من مصدر دخلها الرئيسي، وتدفع نحو مزيد من التدهور في الأوضاع المعيشية، مشددين على أن القرار يعكس توجهاً واضحاً لتشديد الخناق الاقتصادي على الشعب الفلسطيني، في وقت تتفاقم فيه الأزمات نتيجة تراجع فرص العمل وتدمير قطاعات إنتاجية واسعة، خاصة في قطاع غزة.
وتشير البيانات إلى أن العمالة الفلسطينية كانت تشكل ركيزة أساسية في قطاعات حيوية في الداخل المحتل، خاصة البناء والزراعة. فقبل الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2023، بلغ عدد العمال الفلسطينيين نحو 125 ألف عامل يحملون تصاريح رسمية، إضافة إلى عشرات الآلاف ممن كانوا يعملون دون تصاريح، ما رفع العدد الإجمالي إلى أكثر من 170 ألف عامل، وربما تجاوز 200 ألف وفق تقديرات مؤسسات اقتصادية.
كما وصلت أعدادهم في بعض الفترات إلى نحو 173 ألف عامل داخل المحتل والمستوطنات، لكن بعد اندلاع الحرب تراجع هذا الرقم بشكل حاد، في ظل منع أعداد كبيرة من العمال الفلسطينيين من الوصول إلى أماكن عملهم.
إعادة هندسة العلاقة الاقتصادية
المحلل الاقتصادي د. نائل موسى يرى أن القرار الإسرائيلي لا يمكن فهمه فقط من زاوية سوق العمل، بل هو جزء من إعادة هندسة العلاقة الاقتصادية مع الفلسطينيين.
ويقول موسى إن "حكومة الاحتلال تسعى إلى تقليل الاعتماد على العمالة الفلسطينية التي تُعد عاملاً غير مستقر من وجهة نظرها، خاصة في ظل (ما توصف بـ) التوترات الأمنية".
ويضيف أن استقدام العمال الأجانب يمنح الحكومة وأصحاب العمل قدرة أكبر على التحكم، سواء من حيث مدة الإقامة أو شروط العمل.
ويرى موسى أن هناك ثلاثة دوافع رئيسية وراء القرار: أولها أمني، يتمثل في تقليل الاحتكاك المباشر مع العمال الفلسطينيين؛ وثانيها اقتصادي، حيث يمكن للعمالة الأجنبية أن تكون أكثر استقراراً على المدى الطويل؛ وثالثها استراتيجي، إذ تحاول سلطات الاحتلال بناء سوق عمل أقل تأثراً بالتطورات السياسية.
لكنه يحذر في الوقت نفسه من أن هذا التوجه قد يرفع التكاليف التشغيلية على بعض القطاعات، ويخلق فجوات في المهارات، نظراً لخبرة العمال الفلسطينيين الطويلة في السوق الإسرائيلي.
قرار مجحف
في المقابل، فإن التداعيات على الاقتصاد الفلسطيني تبدو أكثر حدة. فالأجور التي كان يتقاضاها العمال في الداخل المحتل كانت تمثل شرياناً رئيسياً للاقتصاد المحلي، حيث كانت تقدر بمليارات الشواكل سنوياً، وتشكل مصدراً أساسياً للسيولة في الأسواق الفلسطينية. ومع توقف هذا التدفق، تراجعت القدرة الشرائية، وارتفعت معدلات البطالة والفقر بشكل ملحوظ، يضيف موسى.
من جهته، يؤكد رئيس اتحاد نقابات العمال سامي العمصي أن قرار حكومة الاحتلال استقدام عمالة أجنبية بدلاً من العمال الفلسطينيين يمثل "قراراً مجحفاً وخطيراً"، ويأتي في سياق سياسة اقتصادية ممنهجة تهدف إلى إضعاف قدرة العمال الفلسطينيين على الوصول إلى مصادر رزقهم.
ويقول العمصي إن تداعيات القرار لا تقتصر على العمال الذين فقدوا وظائفهم، وإنما تمتد إلى آلاف الأسر التي كانت تعتمد بصورة مباشرة على دخل أبنائها العاملين في الداخل المحتل، موضحاً أن توقف هذه العمالة عن العمل حرم شريحة واسعة من دخل ثابت كانت تعتمد عليه في تأمين احتياجاتها الأساسية، من الغذاء والسكن والتعليم والعلاج، في ظل ارتفاع متواصل في تكاليف المعيشة.
ويضيف أن "الاحتلال لا يكتفي بمنع العمال من الوصول إلى أماكن عملهم، بل يعمل أيضاً على إغلاق البدائل أمامهم"، مشيراً إلى أن الاقتصاد الفلسطيني، ولا سيما في قطاع غزة، تعرض خلال الحرب لدمار واسع طال المنشآت والمصانع والورش والقطاعات الإنتاجية، فيما تواجه الضفة الغربية قيوداً متزايدة تحد من حركة العمال والسلع والنشاط التجاري.
ويرى العمصي أن استقدام العمالة الأجنبية يحمل رسالة واضحة مفادها أن سوق العمل الإسرائيلي يتجه إلى الاستغناء التدريجي عن العمال الفلسطينيين، وهو ما يهدد أحد أهم مصادر الدخل التي كانت تضخ السيولة في الاقتصاد الفلسطيني.
ويشير إلى أن العامل الفلسطيني لا يعيل نفسه فقط، بل يساهم دخله في تحريك قطاعات واسعة من الاقتصاد المحلي، من التجارة والأسواق إلى النقل والخدمات، وبالتالي فإن فقدان هذه الأجور ينعكس على النشاط الاقتصادي بأكمله.
ويقول إن عشرات آلاف العمال في الضفة الغربية كانوا يعتمدون بشكل شبه كامل على العمل في داخل المحتل، ومع توقف هذا المصدر، لم يعد أمامهم خيارات حقيقية في ظل ضعف الاقتصاد المحلي ومحدودية قدرته على استيعاب أعداد جديدة من الباحثين عن العمل.
ارتفاع أكبر في معدلات البطالة
ويحذر العمصي من أن استمرار منع العمال الفلسطينيين من العمل في الداخل المحتل سيؤدي إلى ارتفاع أكبر في معدلات البطالة، ولا سيما بين فئة الشباب، ويزيد من معدلات الفقر والاعتماد على المساعدات، فضلاً عن تفاقم الضغوط النفسية والاجتماعية على الأسر التي فقدت مصادر دخلها.
ويؤكد أن خطورة الوضع تكمن في غياب البدائل الاقتصادية القادرة على استيعاب الأعداد الكبيرة من العمال المتعطلين، قائلاً إن الاقتصاد الفلسطيني يعاني أصلاً من ضعف شديد في قدرته على خلق وظائف جديدة، في وقت تتراجع فيه الاستثمارات وتتضرر المنشآت القائمة وتتقلص فرص العمل في القطاعات الإنتاجية.
ويضيف أن "ما يحدث هو دفع قسري نحو الفقر، حيث تجد عائلات كاملة نفسها بلا دخل، في وقت ترتفع فيه تكاليف المعيشة بشكل مستمر".
ويحذر من أن استمرار هذه السياسات سيؤدي إلى تفاقم الأزمات الاجتماعية، بما في ذلك ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب، وزيادة الاعتماد على المساعدات، وتراجع النشاط الاقتصادي العام، مشدداً على أن تداعيات فقدان دخل العمال لن تبقى محصورة داخل الأسر، وإنما ستنتقل إلى الأسواق المحلية والقطاعات التجارية والخدمية المرتبطة بإنفاق هذه الأسر.
ويشير العمصي إلى أن العمال الفلسطينيين راكموا على مدار سنوات طويلة خبرات واسعة في قطاعات البناء والزراعة والصناعة والخدمات، وأن استبدالهم بعمالة أجنبية لا يلغي الحاجة إلى هذه الخبرات، بل يعكس قراراً سياسياً واقتصادياً ستكون له تداعيات طويلة الأمد على العمال الفلسطينيين وأسرهم.
كما يؤكد أن الحل لا يكمن في استبدال العمالة الفلسطينية بعمالة أجنبية، وإنما في ضمان حق العمال الفلسطينيين في العمل والحصول على أجورهم ومستحقاتهم، بالتوازي مع بناء اقتصاد فلسطيني قادر على توفير فرص عمل بديلة.
ويطالب العمصي المؤسسات الدولية والجهات المعنية بالضغط من أجل ضمان حقوق العمال الفلسطينيين، وعدم التعامل مع قضية العمالة باعتبارها ملفاً منفصلاً عن الوضع الاقتصادي العام، داعياً في الوقت ذاته إلى دعم القطاعات الإنتاجية الفلسطينية وخلق فرص عمل جديدة تستوعب أعداد المتعطلين.
ويشدد على أن مواجهة البطالة لا تكون بالمساعدات وحدها، وإنما بإعادة بناء اقتصاد قادر على توفير فرص عمل مستقرة تحفظ كرامة العامل الفلسطيني وتضمن له دخلاً مستداماً، مؤكداً أن استمرار سياسة إقصاء العمال الفلسطينيين واستبدالهم بعمالة أجنبية يهدد بتحويل أزمة العمالة إلى أزمة اجتماعية واقتصادية أوسع.

