فلسطين أون لاين

تواجه شحًّا في إمدادات المياه والطعام والطرود

المخيمات المجاورة لـ"الخط الأصفر".. العطش والتهميش الإغاثي يفاقم المعاناة

...
المخيمات الواقعة على مقربة من "الخط الأصفر" جنوبي مدينة غزة تعاني أوضاع إنسانية كارثية
غزة/ يحيى اليعقوبي:

تواجه المخيمات الواقعة على مقربة من "الخط الأصفر" جنوبي مدينة غزة معاناة إنسانية كارثية نتيجة قلة عمل المؤسسات الإغاثية بفعل إطلاق النار المستمر من جيش الاحتلال، ما يجعل تلك المخيمات تواجه العطش والجوع مع ضعف الإمدادات الإغاثية وحالة التهميش التي تعيشها مقارنة بغيرها من المخيمات الواقعة غرب المدينة التي تصل إليها المساعدات بصورة أكبر.

ويمنع الوضع الأمني المؤسسات الإغاثية من العمل في هذه المخيمات خوفا من الاستهداف، فتصل شاحنات الشرب بصورة قليلة. في بعض المخيمات تأتي الشاحنات مرتين بالأسبوع وبصورة أقل من الاحتياج مما يؤدي لحالة من التدافع والفوضى بين النازحين، مع قلة في عدد تكيات الطعام المقامة فيها وشح في الطرود الإغاثية، وعدم إيجاد فرص عمل للشباب ما يجعل البطالة منتشرة بصورة كبيرة.

على بعد 200 متر من الخط الأصفر يعيش إياد لباد في مخيم "دار السلام" ونتيجة انكشاف المخيم لمواقع جيش الاحتلال فإن ذلك يمنع توجه الجمعيات الإغاثية إليها.

تبدو صورة الحياة في المخيم صامتة، ويشبهها لصحيفة "فلسطين" بأنه أشبه "بموت بطيء يعيشه السكان" بلا أي مقومات صمود مع تحمل مخاطر عالية نتيجة الوضع الأمني وإطلاق النار والقذائف بشكل مستمر.

ويصف لباد الوضع الإنساني بالصعب، وأن شاحنات مياه الشرب تأتي مرتين في الأسبوع وهي كميات لا تلبي احتياجات النازحين، الذين يعانون من العطش فيما تحسنت المياه المالحة بعد افتتاح بئر مياه مؤخرا خفف من وطأة المعاناة التي كانت تفتقر للمياه، فضلا عن الصعوبات التي تواجه الأهالي في تخزين المياه إن توفرت نتيجة عدم وجود خزانات مياه وقلة في عدد القرب.

الطرد الأول

كان عماد ارحيم يجر عربة بها طرد إغاثي استلمه للتو، وهو أول طرد يستلمه أي نازح بالمخيم منذ سبعة أشهر، وفق تأكيده، ويقول لصحيفة "فلسطين" بعد أن توقف عن المشي: "استلمت الطرد بعد انتظار طويل، المساعدات هنا تصل شحيحة، والوضع صعب ونواجه تحديات وصعوبات كبيرة في توفير الطعام ومياه الشرب".

ويعاني سكان المخيم من ارتفاع الحرارة التي تحول الخيام إلى أفران مع غياب الأشجار في منطقة مكشوفة يمتد فيها الدمار على مساحات واسعة، فضلا عن انتشار الحشرات والقوارض التي تؤرق حياة النازحين.

WhatsApp Image 2026-08-23 at 2.45.29 PM32.jpeg
 

في مخيم "المناصرة" الواقع خلف مخيم "دار السلام" لا تختلف صورة الوضع الإنساني الصعب، يجلس إياد مريش (48 سنة) داخل خيمته وعلى الطاولة يفرد أشرطة وأدوية نفدت، ويبدو على صوته الاختناق أثناء الحديث. بجواره تجلس أمه المسنة ونحو 20 فردا من أفراد عائلته من الأطفال والنساء والشباب يعيشون في مساحة ضيقة وخيام متلاصقة، تملأ أسراب الذباب المكان وتنغص حياتهم.

وليس الذباب وحده من يؤرق الحياة هنا، يعرض مريش مشاهد لأفاعي وثعابين قام بقتلها يحتفظ بصورها بهاتفه تسللت إلى الخيمة من أرض ملاصقة، ويقول لصحيفة "فلسطين"، إنه يقتل كل أسبوع ثعبانين أو ثلاثة، وعندما تأتي للخيام تثير حالة من الفوضى والرعب بين صفوف الأطفال ويستغرق وقتا في الملاحقة ومطاردتها ولا تتوقف هذه المخاوف إلا عندما يتم قتلها، فضلا عن القوارض التي تملأ الخيام وتسبب بخوف آخر وقلق أثناء النوم.

وإضافة لتلك الأنواع من الحشرات والقوارض، تغزو أسراب البعوض الخيام في الليل وتؤدي لسعاتها إلى تورم في الجلد، كذلك يكسو السواد الخيام وممرات المخيم نتيجة عدم وجود إضاءة، ويعتمدون على ضوء الهاتف للضرورة، ويشبه هذا الواقع بـ "حياة الكفيف".

عن المياه، يشرح مريش جانبا من حياة صعبها تفوق قدرته الصحية: "أعاني من ارتفاع ضغط الدم ومرض السكري المزمن ودهون، عند قدوم شاحنة المياه فنقوم بنقل المياه من بعد عشرات الأمتار إلى الخيام، وليس لدينا خزانات كبيرة لتخزين المياه. تأتي الشاحنة بسعة 5000 لتر ولا تكفي لمئة أسرة تعيش بالمخيم، وتأتي الشاحنة مرتين بالأسبوع، بالتالي نرشد الاستهلاك".

شح بالمياه

وأمام حالة شح المياه تقوم نساء العائلة بترشيد استهلاك المياه، بحيث يتم تقسيم فترة غسل الملابس بين كل عائلة حتى لا يحدث حالة انقطاع كاملة من المياه، ولدى العائلة أربعة مصابين يواجهون صعوبات كبيرة في التنقل والمراجعة لإتمام العلاج.

وأضاف: "لا نستلم طرودا إغاثية، ولا يوجد طعام، فجميعنا نجتمع على طبق طعام صغير نحصل عليه من مكان بعيد ويكون هو طعام الفطور والغداء والعشاء ولا نتناول غير هذه الوجبة، لأننا متعطلون عن العمل والشباب لا يجدون أي فرص عمل في هذه المناطق البعيدة عن مراكز المدينة وهذا الحال ينطبق على معظم سكان المخيم".

كانت بقايا الطعام الذي اجتمعت عليه العائلة موجودا على الطاولة، وشاهدا على حالة فقر لا تعيشها العائلة وحدها بل تمتد إلى حياة تواجه سكان جميع المخيمات الواقعة قرب الخط الأصفر.

ويتساءل مريش هو وسكان المخيم عن سبب تهميش المخيمات الواقعة قرب الخط الأصفر؟ بدلا من تعزيز صمود النازحين في هذا المكان الصعب والخطر بفعل اعتداءات جيش الاحتلال المستمرة وتقديم المكعبات وإطلاق النار المستمر.

WhatsApp Image 2026-08-23 at 2.45.28 PM4.jpeg
 

وتفرض هذه الخيام نمطا صعبا على كبار السن، وبعدما كانت الحاجة أم ناهض مريش تجلس في غرفة بمفردها توفر لها الراحة قبل الحرب، تجلس اليوم على سرير مصنوع من الحجارة والأخشاب وهو مرتفع عن الأرض، وتعاني من الضوضاء التي يسببها لعب الأطفال، وهي أرضية غير مريحة لحالتها الصحية.

وتقول مريش بصوت وملامح مليئة بالقهر لصحيفة "فلسطين": "الحياة هنا صعبة ونحن مجبرون رغما عن أنفسا بالعيش هنا، فالأرضية رملية ومهما نظفتها تبقى في حالة صعبة، ولا يوجد طعام وبصعوبة نوفره، وحتى إذا أردت الخروج للمشفى فإني أعاني كثيرا في إيجاد وسيلة نقل وبصعوبة نجد عربة كارو".

في أحد ممرات المخيم يمتد خط مياه موصول من أحد الغواطس، إلا أن محمد بكير وبعض سكان المخيم، يؤكدون أنه لم يشتغل منذ فترة، وفي أحسن الأحوال يتم تشغليه ساعة واحدة في حال جاء تبرع لمده بالسولار، ويضطر بكير للسير مسافة كيلو للوصول إلى أقرب تكية طعام، وشاحنات المياه تأتي يوما بعد آخر"

المصدر / فلسطين أون لاين