فلسطين أون لاين

رسالتي لم تنتهِ بعد

بعد أن ألقت الولايات المتحدة قنبلة نووية على هيروشيما، تحولت المدينة إلى ركام. لم يبقَ من المدرسة سوى موقعها، ولم يبقَ من الصفوف سوى ذكرياتها، لكن أحد المعلمين رفض أن يصدق أن رسالته انتهت، وأخذ يبحث بين الأنقاض عن مدرسته، ثم عن طلابه، ومن بقي منهم على قيد الحياة.

وعندما علم أن بعضهم نجا، أحضر الكراسي والطاولات، ورتبها فوق الركام، وجمع طلابه من جديد، ثم قال لهم: "رسالتي لم تنتهِ بعد... حتى القنبلة النووية لن توقفني".

التقط أحد الصحفيين تلك اللحظة، فتحولت إلى صورة خالدة، لا توثق درسًا في القراءة أو الحساب، بل درسًا في معنى الرسالة، وفي قدرة الإنسان على الانتصار على الخراب.

الصورة تُظهر أطفالًا يجلسون على مقاعد الدراسة في صف أُقيم وسط منطقة مدمرة، في حين يقف معلمهم أمامهم مواصلًا الدرس، لا جدران تحميهم، ولا سقف يظلهم، لكن ما بقي كان أهم من كل ذلك؛ معلم يؤمن بأن التعليم لا يتوقف، وأطفال يتمسكون بحقهم في التعلم على الرغم من كل ما حل بهم.

وأنا أتأمل هذه الصورة، لا أستطيع إلا أن أفكر في غزة.

كم من معلم ومعلمة يفعلون اليوم الشيء نفسه. كم من درس أُعطي داخل خيمة، أو في مركز إيواء، أو فوق أنقاض مدرسة. وكم من طفل فتح كتابه حين كان الدخان لا يزال يتصاعد من حوله.

لقد دفعت المنظومة التعليمية في غزة ثمنًا باهظًا خلال حرب الإبادة،  فاستشهد عشرات الآلاف من الطلاب والمدرسين، ودُمِّرت عشرات المدارس والجامعات، وتحولت مقاعد الدراسة إلى ركام، ومع ذلك لم تمت الرسالة.

ففي كل خيمة تحولت إلى فصل، وفي كل سبورة رُسمت على قطعة قماش، وفي كل معلم حمل كتابه بدل أن يستسلم، كانت الرسالة تقول: "لم ننتهِ بعد."

الرسالات العظيمة لا تقاس بما يحيط بها من ظروف، بل بقدرتها على الاستمرار .

 قد تُقصف المدارس، وقد تُهدم الجامعات، وقد يُحرم الأطفال من فصولهم، لكن لا أحد يستطيع أن يقصف فكرة، أو يهدم رسالة، أو يقتل الإيمان بأن العلم يصنع المستقبل.

لهذا لم تكن صورة هيروشيما مجرد ذكرى من الماضي، بل مرآة نرى فيها غزة وأبطالها اليوم، فهناك، كما هنا، وقف معلمون شجعان في مواجهة الدمار، لا يحملون سلاحًا، بل يحملون رسالة.

المصدر / فلسطين أون لاين