من اليرموك إلى غزة، تتغير الأسماء والوجوه، لكن القلوب التي تبيع نفسها لله لا تتغير، هناك وقف عكرمة ينادي: "من يبايع على الموت؟"، وهنا وقف أبو عبد الله مشتاقًا إلى رفاقه وصحبة رسول الله ﷺ.
قرون طويلة مضت بين فتى مكة وفتى طوفان الأقصى، لكن الذي جمعهما لم يكن الزمان، بل الوجهة. كلاهما رأى الجنة غاية، والطريق إليها عهدًا لا يُنقض.
اختلفت الميادين، لكن الراية واحدة، واليقين واحد، ووعد الله واحد: ﴿فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾.
في سماء غزة، حيث الصواريخ لا تغادر، والركام يبتلع البيوت، وقف أبو عبد الله يبكي شوقًا إلى الأحبة، لم يكن يبكي خوفًا من الموت، بل لأن القرعة لم تقع عليه للمشاركة في مهمة قتالية كان يرجو أن يختم الله بها حياته شهيدًا، ويلقى فيها رفاقه الذين سبقوه.
وعلى الطرف الآخر من التاريخ، في يوم اليرموك، وقد بدت بوادر الانكسار على المسلمين، وقف عكرمة بن أبي جهل يصيح بأعلى صوته: "من يبايع على الموت؟"، حاول خالد بن الوليد أن يثنيه، وقال: "لا تفعل يا عكرمة، فإن قتلك سيكون شديدًا على المسلمين،" لكن عكرمة لم يكن يبحث عن الموت، كما لم يكن أبو عبد الله يبحث عنه، بل كان كلاهما يبحث عن موقف يلقى به الله.
استجاب المئات لنداء عكرمة، وانطلقوا نحو جيش الروم فيما عُرف لاحقًا بـ"كتيبة الموت"، أثخنتهم الجراح، لكنهم ثبتوا، وحموا إخوانهم، وغيّروا مجرى المعركة. فرحلت أجسادهم، وبقيت أرواحهم تعلم الأجيال أن البطولة ليست في النجاة، بل في الثبات.
ثم عاد المشهد إلى غزة.
جلس أبو عبد الله بين رفاقه بعد إحدى جولات القتال في معركة طوفان الأقصى، وقال بصوت ملؤه الشوق: "أمس وأنا نائم، رأيت أصحابي الذين استشهدوا في حرب 2014 مع رسول الله ﷺ، فقالوا لي: يا أبا عبد الله، عجّل الخطى... إنا مشتاقون إليك".
ثم أطرق قليلًا وقال: "لما تحركنا للاشتباك مع العدو، ظننت أنني ذاهب إليهم، لكن شاء الله أن أرجع. ولما عزمنا على تنفيذ مهمة قتالية، أجرينا القرعة بيننا، فقد كان كل منا يرغب في أن يقوم هو بالمهمة، ولم تقع عليّ، بكيت... لأنني مشتاق إلى رسول الله ﷺ وإلى أصحابي"
نظر إليه رفاقه بدهشة، ظنًا منهم أن من لم تقع عليه القرعة قد نجا، بينما كان هو يرى أنه تأخر عن أمنية عاش لها طويلًا.
تأثر يوسف بكلامه، رغم فرحته لأن القرعة وقعت عليه، وقال: "والله ما أكون سببًا في تأخرك عن رسول الله، توكل على الله... هي لك"
نهض أبو عبد الله من مكانه متهللًا، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة لم يستطع أحد أن يخفي معناها، كانت ابتسامة رجل صدق ما عاهد الله عليه، ورأى الطريق الذي ظل ينتظره.
مضى أبو عبد الله إلى لقاء العدو مقبلًا غير مدبر، يحمل يقينًا أكبر من السلاح الذي بين يديه، تقدم حتى بلغ نقطة الاشتباك، والتحم مع جنود الاحتلال من مسافة الصفر، يقاتل بثبات من عرف وجهته، حتى ارتقى شهيدًا كما كان يرجو.
هناك انتهت رحلته في الأرض، وبدأ الموعد الذي طالما اشتاق إليه، بعد أن صدق الله ما عاهد عليه.
ليست الحكاية عشقًا للموت، بل يقينًا بما بعده، وثباتًا حين تتراجع النفوس، وإيمانًا يجعل الإنسان يبذل أغلى ما يملك دفاعًا عن دينه ووطنه.
فكلما ظن الناس أن زمن الرجال قد مضى، بعث الله في كل جيل من يحيي معانيهم، تتبدل الأسماء، ويبقى الأثر، ويظل ظريف الطول حاضرًا في كل زمان، يولد مع كل بطل جديد.

