فلسطين أون لاين

فتية رفح

في الحكاية الفلسطينية الممتدة من ظريف الطول إلى حاضرٍ لا يعرف السكون، لا تنتهي الرواية عند جيلٍ واحد، ولا تُغلق على زمنٍ بعينه. فكلما انطفأ مشهد، اشتعل آخر، وكلما ظنّ العالم أن الحكاية انتهت، خرج من تحت الركام من يكتب فصلًا جديدًا بدمه وصبره.

هنا… رفح.. مدينةٌ أُنهكت حتى العظم، لم تعد تشبه نفسها، شوارعها مهدمة، بيوتها مسوّاة بالأرض، وأحجارها شاهدة على زمنٍ ثقيل. ومع ذلك، لم تنتهِ الحكاية فيها، بل انتقلت إلى تحتها… إلى عمق الأرض، إلى حيث لا تصل الكاميرات ولا الضوء، هناك… حيث وُلد “فتية رفح”.

ليسوا جيشًا كما يراهم العالم، ولا أرقامًا في نشرات الأخبار، بل أبناء مدينة حوصرت حتى اختنقت، فاختاروا أن ينزلوا إلى باطن الأرض كي لا يُكسروا فوقها.

منذ بدء الحرب، ماكثون في الأنفاق، بين ضيق المكان وثقل الزمن، لا سماء تظللهم، ولا أرض تحميهم. الجوع ينهش أجسادهم ببطء، والعتمة تصاحب أنفاسهم، والانتظار صار جزءًا من حياتهم اليومية.

لكنهم لم يغادروا.
في الخارج، هُدمت رفح بالكامل تقريبًا، وتحوّلت شوارعها إلى خرائط من الدمار، في حين يفتش الاحتلال في الأرض عن ظلّ أنفاقها، وكأن المدينة كلها صارت سرًّا يجب اقتلاعه.

وفي الداخل… تحت هذا الركام، كان الفتية يعيشون حياة لا تشبه الحياة.

وجوه شاحبة، أنفاس ثقيلة، وصمت طويل لا يقطعه إلا صوت الحذر. الجوع ليس حالة عابرة، بل رفيقًا يوميًا، والظلام ليس ظرفًا، بل قدرًا مفروضًا. ومع ذلك، في أعماق هذا الألم، هناك شيء واحد لم ينكسر: الإرادة.

فتية يعرفون أن الموت قريب، ليس كاحتمال بعيد، بل كظلٍ يرافق صمودهم، ولهذا لم تنتهِ رفح فيهم، رغم أنها دُمّرت فوقهم،
بل تحولت إلى فكرة… وإلى ذاكرة… وإلى جيلٍ كامل قرر أن يكون شاهدًا على زمنٍ لا يُنسى،

 في امتداد تاريخي لحكاية، لا تنطفئ فيها المقاومة، بل تنتقل من رجلٍ يحمل بندقية في زمنٍ قديم، إلى فتيةٍ يحملون الصبر في زمنٍ محاصر، وبينهما خيط واحد لا ينقطع:

أن هذه الأرض، مهما اشتد عليها الخراب، لا تُترك وحدها.

وأن الحكاية ما زالت تُكتب بالدم حتى النصر.

المصدر / فلسطين أون لاين