بينما كان يهرب المدنيون من ألسنة اللهب وأصوات الانفجارات في خضمّ حرب الإبادة على غزة، كان رجال الدفاع المدني يسلكون الاتجاه المعاكس. يركضون نحو المباني المدمرة، ويتسابقون مع الدقائق الأولى بعد القصف، بحثًا عن ناجين تحت الركام، أو لإخماد حرائق تلتهم منازل وخيامًا ومراكز إيواء.
وبينما انشغل هؤلاء الرجال في إنقاذ ضحايا القصف الإسرائيلي، دفع الكثير منهم حياتهم ثمنًا لهذه المهمة التي لم تعد تقتصر على مواجهة الكوارث، بل باتت مواجهة يومية مع الموت نفسه.
منذ اندلاع الحرب في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، تحوّل جهاز الدفاع المدني إلى أحد أعمدة الاستجابة الإنسانية، إذ وجد عناصره أنفسهم في قلب واحدة من أكثر العمليات العسكرية تدميرًا، يعملون وسط القصف المتواصل، والانهيارات المتكررة، وشح الوقود، وتدمير المعدات، واستهداف الطواقم في أثناء أداء واجبها.
لكن الثمن الذي دفعه الجهاز لم يكن مقتصرًا على الإرهاق أو نقص الإمكانات، بل امتد إلى خسائر بشرية ومادية غير مسبوقة، جعلت رجال الإنقاذ أنفسهم جزءًا من قائمة الضحايا التي يحاولون إنقاذها.
ووفق معطيات رسمية، استشهد 146 من كوادر الدفاع المدني إبّان الحرب في أثناء أداء مهامهم الإنسانية، في حين أصيب المئات منهم بجروح متفاوتة، بينها إصابات خلفت إعاقات دائمة، كما تعرضت طواقمه للاستهداف المباشر عشرات المرات خلال تنفيذ عمليات الإنقاذ والإغاثة.
وتعكس هذه الأرقام حجم المخاطر التي تواجهها الطواقم الميدانية التابعة للدفاع المدني، وكذلك فرق الإسعاف والطوارئ، التي غالبًا ما تصل إلى مواقع القصف قبل توقف الغارات، في محاولة لانتشال العالقين تحت الأنقاض، أو إنقاذ المصابين قبل فوات الأوان.
ويؤكد المتحدث باسم الدفاع المدني الرائد محمود بصل، أن جيش الاحتلال وفي خضمّ حربه الدموية، استهدف فرق ومقدرات الجهاز، وحال دون تمكين عناصره من تلبية نداءات الضحايا، في حين لم يسمح بمرور عدد كافٍ من الآليات والمعدات بعد اتفاق وقف إطلاق النار المثقل بالخروقات الإسرائيلية منذ بدء سريانه يوم 10 أكتوبر 2025.
وبين بصل أن المركبات والآليات التي كانت لدى جهاز الدفاع المدني قبل حرب الإبادة، وعددها 75 مركبة وآلية، لم يبقَ منها سوى 10 فقط بفعل التدمير المتعمد، لافتًا إلى أن البروتوكول الإنساني ضمن اتفاق وقف إطلاق النار، الذي لم يلتزم به الاحتلال، يكفل إدخال المركبات والآليات اللازمة لانتشال رفات آلاف الشهداء من تحت أنقاض المنازل المدمرة.
ونبَّه إلى أن تدمير الاحتلال المعدات والآليات الثقيلة إبّان الحرب، يُقوِّض جهود الفرق الميدانية الرامية إلى تنفيذ مهامها الإنسانية، مشيرًا إلى أن الاحتلال يتبع سياسة ممنهجة في استهداف المباني المدنية فوق رؤوس سكانها، وهو ما يزال مستمرًا في سياسته هذه حتى بعد وقف إطلاق النار.
ومن أكثر التحديات التي تواجه جهاز الدفاع المدني، عدم قدرته على انتشال رفات شهداء الحرب من تحت الركام، إذ يبين بصل أن فقدان المعدات الثقيلة وعدم توفر عدد كافٍ منها، والنقص الحاد في الوقود أيضًا، يحول دون مواصلة الجهود الرامية لانتشال الرفات.
وبين بصل أن أكثر من 8 آلاف شهيد ما تزال رفاتهم تحت الركام، ويعجز الدفاع المدني عن انتشالها، في حين نجح الجهاز وبالتنسيق مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر، في تنفيذ عدة مشاريع لانتشال بعض الرفات من مناطق متفرقة في القطاع الساحلي، موضحًا أن تنفيذ المهام بهذه الطريقة سيستغرق سنوات طويلة لإكمالها.
ولفت إلى أن عدد كبير من رفات الشهداء لم يتمكن جهاز الدفاع المدني الوصول إليها، بفعل بقائها في مناطق خاضعة لسيطرة جيش الاحتلال خلف ما يسمى "الخط الأصفر".
ويسيطر جيش الاحتلال على 70 بالمئة من المساحة الإجمالية للقطاع الساحلي البالغة 365 كيلومترًا مربعًا، في حين يواصل عمليات نسف وتدمير ما تبقى من بنى سكنية في تلك المناطق الواقعة في شمالي وشرقي وجنوبي القطاع.
وبحسب بصل، لم يكتفِ جيش الاحتلال بتدمير المنازل في المناطق الخاضعة لسيطرته، بل لجأ إلى تجريفها وإزالة الكتل الخرسانية، ما يعني أن مناطق كاملة تغيّرت معالمها.
وأضاف، أن "البحث عن رفات الشهداء في تلك المناطق حتى لو توفرت موافقة إسرائيلية، أشبه بالبحث عن إبرة في كومة من القش".
ولا تقتصر تداعيات نقص المعدات على التسبب ببطء عمليات الإنقاذ فحسب، بل قد يحرم مصابين من فرصة النجاة، ويؤخر انتشال جثامين لا تزال مدفونة تحت الأنقاض منذ أشهر، في ظل غياب الجرافات والآليات المتخصصة.
وعلى الرغم من الضربات القاسية التي تعرض لها الدفاع المدني، يواصل كوادره النزول إلى الميدان مع كل بلاغ جديد، مدركين أن المهمة قد تنتهي بإنقاذ حياة، أو بإضافة اسم جديد إلى سجل شهداء الجهاز.
ويحذر بصل من أن تآكل القدرات التشغيلية لجهاز الدفاع المدني، يهدد بإضعاف منظومة الاستجابة الإنسانية بأكملها، مطالبًا بتوفير الحماية لطواقمه، والسماح بإدخال مركبات الإنقاذ والآليات الثقيلة والمعدات اللازمة، حتى يتمكن من مواصلة أداء رسالته الإنسانية.
ويؤكد مختصون في العمل الإنساني أن استهداف طواقم الإنقاذ وتدمير معداتها لا يقتصر أثره على العاملين في الجهاز، بل ينعكس مباشرة على المدنيين، إذ تتراجع قدرة فرق الإنقاذ على الوصول السريع إلى الضحايا، وتزداد صعوبة التعامل مع الكوارث الناتجة عن القصف المستمر.

