يبدأ التقليص من البنود الأكثر مرونة؛ السفر، والمطاعم، والترفيه، ثم يمتد إلى التعليم الخاص، والدورات التدريبية، والرعاية الصحية الوقائية من رياضة ومكملات، قبل أن يصل في كثير من الحالات للأسف إلى نوعية الغذاء بل وكميته.
ولم يعد أثر الأزمات محصورًا بمن تعرضوا لها مباشرة؛ فقد تسلل عدم اليقين إلى الفئات التي كانت تُعد الأكثر قدرة على امتصاص الصدمات. فالطبيب، والمهندس، والتاجر، لم يعودوا بمنأى عن إعادة ترتيب أولوياتهم الاقتصادية؛ وباتوا يعيدون صياغة قراراتهم المالية وفق منطق جديد تحكمه درجة أعلى من الحذر وعدم اليقين؛ كلٌّ بحسب موقعه وقدرته، لكن الجميع يتحرك داخل ذات منطق إدارة المخاطر بدل التخطيط للغد.
الدين كنمط حياة باقٍ.. ويتمدد ثم يتجدد
لطالما كان الادخار أحد أهم مؤشرات الاستقرار الاقتصادي للطبقة الوسطى؛ فهو المساحة التي تمنح الأسرة قدرة على مواجهة الصدمات، وتمنحها هامشًا لاتخاذ قراراتها بعيدًا عن الضغوط اليومية. لكن الأزمات المتراكمة خلال السنوات الماضية استنزفت هذا الهامش تدريجيًا. فالمدخرات التي كانت مخصصة لتحسين المستقبل أصبحت تُستهلك للحفاظ على الحاضر، وما كان يُعد احتياطًا للطوارئ تحول إلى مصدر تمويل للحياة اليومية.
هذا التحول يعكس أزمة أعمق من مجرد ارتفاع حجم المديونية؛ فهو يشير إلى اختلال العلاقة بين الدخل والاستهلاك. فعندما يصبح الراتب غير كافٍ لتغطية النفقات الأساسية، وعندما تتقدم الالتزامات الثابتة على قدرة الأسرة على الدفع، يصبح الاقتراض ضرورة لا بد منها.
وقد اتخذت هذه الظاهرة أشكالًا متعددة؛ من القروض البنكية، إلى الشراء الآجل، أو الاعتماد على شبكة العلاقات الاجتماعية، وتحرير شيكات أكثر من قيمة الدخل المتاح، ثم تغطية الشيكات بديون من شبكة علاقات اجتماعية أخرى ثم تحرير الكمبيالات. وأخطر ما في التحول إلى الاستدانة هو أثره في قدرة المجتمع على التعافي. فالأسرة المثقلة بالديون لا تملك مساحة لتحسين وضعها الاقتصادي؛ لأن جزءًا متزايدًا من دخلها المستقبلي أصبح محجوزًا من الآن لتسديد التزامات سابقة. وهكذا يتحول الدين من حل مؤقت إلى قيد طويل الأمد.
الاقتصاد النفسي للأسر الفلسطينية
كيف يمكن لرب الأسرة أن يخطط ماليًا في بيئة أصبح فيها الغد محاطاً بالمخاوف والإشاعات؟ فالتخطيط المالي يفترض حدًا أدنى من اليقين؛ من ثلاث نواح رئيسة وهل الدخل، وتوفر أو انقطاع المواد الأساسية وما يتبعه من تغير أسعارها، والتزامات يمكن تقديرها. ولكن حين يصبح عدم الاستقرار هو القاعدة، وتتحول الأخبار المتداولة والإشاعات بشأن نقص المواد الأساسية أو ارتفاع الأسعار إلى عوامل تؤثر مباشرة في سلوك الأسر، فإن القلق يصبح أساس القرار الاقتصادي.

