ماذا بقي من الطبقة الوسطى في الضفة الغربية بعد عامين من الحرب، وثلاثة أعوام من حرمان عشرات آلاف العمال من الوصول إلى أماكن عملهم داخل الخط الأخضر، وست أعوام من الرواتب المجتزأة لموظفي القطاع العام، وغيرها من الأزمات المتصلة القديمة والمستحدثة التي زادت واستفحلت وأثرت وفي بعض الأحيان سحقت!
*هل ما زالت الطبقة الوسطى تمثل مساحة الأمان الاقتصادي والاجتماعي التي اعتمد عليها الفلسطينيون لعقود، أم أنها تحولت بصمتٍ إلى طبقة مستدينة مستنفذة لجميع الحلول وتحاول فقط النجاة من الانهيار؟* كيف يمكن لأسرة كانت تنفق كل ما تجنيه وحتى ما تدخره لتعليم أبنائها أن تراهم لا يجدون عملاً ولا يستطيعون تكوين أسرة؟
في هذا المقال لن أرصد مؤشرات ولا أرقام، فالقضية التي أود الحديث عنها أكبر من ان أختزلها في تراجع دخل، أو انخفاض أو حتى انعدام القدرة الشرائية؛ وإنما كتبت هذا المقال كشهادة على *مرحلة خطيرة في الاقتصاد الفلسطيني تخلخلت فيها قواعد الحياة الاقتصادية التي اعتدناها حيث أصبح التعليم لا يضمن المستقبل والعمل لا يعني الكرامة*، والتثبيت الوظيفي لا يعني الأمان، وقدرة العائلات على الادخار تتناسب عكسياً مع سنوات الخبرة؛ مما أدى إلى أفول الطبقة الوسطى.
لقد كشفت الحرب، وما رافقها من أزمات مالية واقتصادية متراكمة ومتراكبة، هشاشة النموذج الذي قامت عليه هذه الطبقة. فالأزمة المالية للسلطة الفلسطينية، والاقتطاعات الإسرائيلية من أموال المقاصة، وعدم انتظام صرف الرواتب، وتراجع فرص العمل داخل الخط الأخضر، وارتفاع البطالة، وتراجع النشاط التجاري والاستثماري، وارتفاع الأسعار، وأزمة السيولة والشيكات المرتجعة؛ كانت حلقات متصلة دفعت الأسر الفلسطينية إلى استهلاك مدخراتها بل وحتى مخزونها النفسي من الأمل.
خواء جيوب الآباء أمام براءة الطلبات يبدأ أفول الطبقة الوسطى لحظة يتغيّر منطق اتخاذ القرار الاقتصادي داخل الأسرة. فهي لن تستيقظ صباحًا لتعلن أنها غادرت الطبقة الوسطى، بل يحدث التحول بصمت، من خلال سلسلة من القرارات الصغيرة التي تعيد تعريف أولوياتها.
لا يرى الأقارب والجيران المشتريات التي أُجلت، أو الزيارات التي اعتُذر عنها، أو الأحلام التي أُعيد ترتيبها. هناك، في تفاصيل الحياة اليومية غير المرئية، تبدأ عملية الانحدار الحقيقي.
وما تزال كثير من هذه الأسر تتمسك بأداء واجباتها الاجتماعية، كتقديم "النقوط" عند حضور الأفراح أو الاحتفاء بنجاح الأبناء والأقارب، ولا يعلم أحد عن تغير خياراتها اليومية، وتراجع مستوى الإنفاق، بل وإعادة ترتيب جذرية لأولوياتهم.
كانت الأسرة المتوسطة الفلسطينية، رغم محدودية مواردها، تنظر إلى جزء من دخلها باعتباره استثمارًا في المستقبل؛ لتعليم الأبناء، تحسين السكن، الادخار، شراء أصل، أو حتى الإنفاق على الترفيه باعتباره جزءًا من جودة الحياة. أما اليوم، فقد انكمشت مساحة الاختيار لدى رب الأسرة أو المعيل. فأصبحت الأسر تفكر بما يمكن الاستغناء عنه دون أن ينهار توازنها.
يبدأ التقليص من البنود الأكثر مرونة؛ السفر، المطاعم، الترفيه، ثم يمتد إلى التعليم الخاص، والدورات التدريبية، والرعاية الصحية الوقائية من رياضة ومكملات، قبل أن يصل في كثير من الحالات للأسف إلى نوعية الغذاء بل وكميته.
ولم يعد أثر الأزمات محصورًا بمن تعرضوا لها مباشرة؛ فقد تسلل عدم اليقين إلى الفئات التي كانت تُعد الأكثر قدرة على امتصاص الصدمات. فالطبيب، والمهندس، والتاجر، لم يعودوا بمنأى عن إعادة ترتيب أولوياتهم الاقتصادية؛ وباتوا يعيدون صياغة قراراتهم المالية وفق منطق جديد تحكمه درجة أعلى من الحذر وعدم اليقين؛ كلٌّ بحسب موقعه وقدرته، لكن الجميع يتحرك داخل ذات منطق إدارة المخاطر بدل التخطيط للغد.

