يواجه مرضى الفشل الكلوي في قطاع غزة خطرًا متزايدًا مع استمرار النقص الحاد في الأدوية ومستهلكات الغسيل الكلوي، ما أجبر المرافق الصحية على تقليص عدد جلسات الغسيل ومدتها، في وقت يؤكد فيه أطباء أن العلاج المنتظم يمثل شرطًا أساسيًا لبقاء المرضى على قيد الحياة.
ويؤكد مرضى أنهم باتوا يعانون تدهورا متسارعا في أوضاعهم الصحية نتيجة تقليص الجلسات، إذ لم تعد الخدمة الطبية تُقدَّم بالمعدل الموصى به طبيًا، الأمر الذي يزيد من احتمالات حدوث مضاعفات خطيرة، ويهدد حياتهم إذا استمرت أزمة الإمدادات الطبية.
يقول مريض الفشل الكلوي عبد الله أبو عبلي، إن برنامج علاجه شهد تراجعًا ملحوظًا بسبب نقص الإمكانات، موضحًا أنه كان يخضع لثلاث جلسات غسيل أسبوعيًا، تستغرق كل منها أربع ساعات، قبل أن تُخفض إلى جلستين فقط لمدة ثلاث ساعات فقط، الأمر الذي انعكس سلبًا على حالته الصحية.
ويضيف لصحيفة "فلسطين"، أن معاناة المرضى تتفاقم يومًا بعد آخر، مع استمرار نقص الأدوية ولوازم الغسيل الكلوي، معبرًا عن مخاوفه من أن يؤدي استمرار الأزمة إلى تقليص الجلسات بصورة أكبر، بما يهدد حياة مئات المرضى الذين يعتمدون على الغسيل الكلوي للبقاء على قيد الحياة. ويطالب بالإسراع في إدخال الأدوية والمستهلكات الطبية اللازمة لضمان استمرار العلاج.
ويؤكد المريض وائل سكيك لـ"فلسطين"، أن انتظام جلسات الغسيل الكلوي ثلاث مرات أسبوعيًا ضرورة طبية وحق إنساني أساسي، محذرًا من أن تقليص عدد الجلسات أو مدتها يزيد من معاناة المرضى ويرفع احتمالات تعرضهم لمضاعفات صحية خطيرة، داعيًا إلى تحرك عاجل لتوفير المستلزمات الطبية اللازمة قبل أن تتوقف الخدمة بشكل كامل.
أما درويش جنينة (86 عامًا)، فيجسد بملامحه المنهكة حجم المعاناة التي يعيشها مرضى الفشل الكلوي في غزة. وقال لـ"فلسطين"، إن المرضى يواجهون "موتًا بطيئًا" مع تراجع الخدمات الصحية، مناشدًا المجتمع الدولي التدخل العاجل لإنقاذ حياتهم، ومعبرًا عن أسفه لما وصفه باستمرار الصمت العالمي إزاء ما يواجهه المرضى من ظروف تهدد حقهم في العلاج والحياة.
ويؤكد مختصون أن جلسات الغسيل الكلوي ليست إجراءً يمكن تأجيله أو تقليصه دون عواقب، إذ يعتمد مئات المرضى عليها بشكل دوري للتخلص من السموم والسوائل المتراكمة في أجسادهم، فيما يؤدي أي اضطراب في انتظام العلاج إلى تدهور حالتهم الصحية بصورة قد تكون قاتلة.
وتفاقمت الأزمة في ظل استمرار القيود الإسرائيلية على إدخال الأدوية ومستلزمات الغسيل الكلوي، إلى جانب الضغوط التي تواجهها المنظومة الصحية بعد خروج عدد كبير من المستشفيات عن الخدمة في قطاع غزة، ما جعل توفير العلاج المنتظم لمرضى الفشل الكلوي أكثر صعوبة.
وأكد رئيس قسم الكلى في مجمع الشفاء الطبي الدكتور غازي اليازجي، أن مرضى الفشل الكلوي يواجهون واقعًا صحيًا حرجًا مع تراجع عدد جلسات الغسيل، نتيجة النقص الحاد في المواد اللازمة لتشغيل أجهزة الغسيل الكلوي.
وأضاف، أن "واقع مرضى الكلى صعب للغاية، ولدينا العديد من الإشكاليات والمعيقات التي تواجهنا؛ أهمها فقدان مادة بيكربونات الصوديوم، اللازمة لتشغيل أنواع معينة من أجهزة الغسيل الكلوي".
وبين أن فقدان هذه المادة لوحدها، تسبب بتوقف 25 جهاز غسيل كلوي عن الخدمة في مجمع الشفاء الطبي، ما أدى إلى تقليص عدد الجلسات إلى جلستين بدلاً من 3 جلسات أسبوعيًا، بواقع 3 ساعات للجلسة الواحدة بدلاً من 4 ساعات.
وتترك هذه التقليصات -بحسب الطبيب اليازجي- مضاعفات صحية خطيرة على مرضى الفشل الكلوي، تشمل ارتفاع نسبة السموم، واختلاف في نسبة الأملاح، يرافقها ارتفاع البوتاسيوم والصوديوم وهبوط في نسبة الكالسيوم، وتراكم السوائل على القلب والرئتين. ويتبع ذلك شعور المرضى بالهزال والضعف، وانسداد في الشهية وأعراض أخرى.
وأكد اليازجي أن مأساة مرضى الفشل الكلوي لا تقتصر على العجز في الأدوية والمستهلكات والمواد الطبية فحسب، بل تشمل أيضًا عجزًا كبيرًا في الأجهزة المخصصة للغسيل الكلوي، إذ تعرض جزء كبير منها للتدمير المتعمد.
وقبل اندلاع الحرب -وفق اليازجي- كان مجمع الشفاء الطبي يضم 70 جهازًا للغسيل الكلوي، إلا أن الأضرار التي لحقت بالمنظومة الصحية ونقص اللوازم الطبية أدت إلى تراجع عدد الأجهزة المتاحة إلى 51 جهازًا فقط، لا يعمل منها حاليًا سوى 26 جهازًا بسبب فقدان المواد اللازمة لتشغيلها وصيانتها.
وكان في قطاع غزة 1100 مريض فشل كلوي قبل الحرب، في حين تبقى منهم قرابة 700 مريض فقط، إذ بلغت نسبة الوفاة 41 بالمئة بين مرضى الفشل الكلوي، من جراء خروج معظم مراكز الغسيل الكلوي عن الخدمة إبّان الحرب، وعدم تمكن غالبية المرضى على الوصول إلى ما تبقى من أقسام غسيل، بحسب اليازجي.
وحذر رئيس قسم الغسيل الكلوي في مجمع الشفاء، من أن استمرار حصار المنظومة الصحية، يلحق مضاعفات صحية خطيرة بمرضى الفشل الكلوي، ويُنذر بمخاطر كبيرة تهدد حياتهم.

