بدلًا من أن تجتمع العائلة حول قالب حلوى وتطفئ شموع عيد ميلاده الثامن والأربعين، وقفت علا شويدح أمام مقر اللجنة الدولية للصليب الأحمر غرب مدينة غزة، تحمل صورة زوجها الأسير المغيب في سجون الاحتلال الإسرائيلي، وتحول أمنيتها الوحيدة إلى مناشدة إنسانية: أن يعود إليها سالمًا بعد غياب طال منذ اعتقاله قبل أكثر من عام.
وحلّ عيد ميلاد زوجها عيسى، أمس الاثنين، للمرة الثانية وهو بعيد عن أسرته، منذ اعتقاله خلال اقتحام قوات الاحتلال الإسرائيلي مجمع الشفاء الطبي في آذار/مارس 2024، حين كانت العائلة نازحة من منزلها هربًا من القصف الذي طال مناطق واسعة في قطاع غزة.
وتقول شويدح لصحيفة "فلسطين" إن زوجها، وهو مدرس لمادتي التاريخ والجغرافيا، اختفى منذ لحظة اعتقاله، ولم تتلقَّ العائلة أي معلومات رسمية حول مكان احتجازه أو ظروفه الصحية، الأمر الذي ضاعف مخاوفها مع استمرار ورود شهادات عن الظروف القاسية التي يعيشها الأسرى داخل السجون الإسرائيلية.
وتضيف: "مرّ عيد ميلاده ونحن لا نعلم كيف حاله، ولا وضعه الصحي، ولا حتى في أي سجن يقبع".
عام من الانتظار والقلق
وخلال الوقفة الأسبوعية التي تنظمها لجنة الأسرى التابعة للقوى الوطنية والإسلامية أمام مقر اللجنة الدولية للصليب الأحمر بمدينة غزة كل يوم اثنين من كل أسبوع، رفعت شويدح صورة زوجها ورددت بصوت مؤثر: "كل عام وأنت بخير يا أبو أولادي، نسأل الله أن يجمعنا بك قريبًا وأن يفك قيدك".
وتوضح أنها تواصلت مرارًا مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر والمؤسسات المختصة بشؤون الأسرى، بحثًا عن أي معلومة تطمئنها، إلى أن أبلغها أحد الأسرى المحررين مؤخرًا بأن زوجها محتجز في سجن "النقب" الصحراوي، بعد أن جرى نقله بين عدة مراكز اعتقال.
وتابعت أن الأسير المحرر أكد لها أن زوجها يحاول الصمود رغم الظروف الصعبة التي يعيشها الأسرى، وما يتعرضون له من تعذيب وتجويع وإهانات وحرمان من أبسط حقوقهم الإنسانية.
وقالت شويدح خلال كلمتها أمام المشاركين في الوقفة إنها لا تتحدث باسمها فقط، بل باسم كل زوجة تنتظر زوجها الأسير، وكل أم تترقب عودة ابنها، وكل طفل ينام وهو يحلم بعودة والده إلى المنزل.
وأضافت أن آلاف العائلات الفلسطينية تعيش المعاناة ذاتها، خصوصًا عائلات المعتقلين الإداريين الذين يُحتجزون دون تهم أو محاكمات، فيما تتواصل عمليات تجديد أوامر اعتقالهم بشكل متكرر.
وأكدت أن الأسرى ليسوا أرقامًا داخل السجون، بل آباء وأزواج وأبناء لهم عائلات تنتظرهم يوميًا، مشيرة إلى أن أطفال الأسرى يواصلون السؤال عن موعد عودة آبائهم، بينما لا تملك العائلات سوى الصبر والدعاء.
دعوات للتحرك الدولي
وحذرت شويدح من خطورة ما يرد من شهادات حول أوضاع المعتقلين داخل السجون الإسرائيلية، في ظل الحديث عن التعذيب والإهمال الطبي والتجويع والحرمان من الحقوق الأساسية.
ووجهت نداءً إلى اللجنة الدولية للصليب الأحمر والمؤسسات الحقوقية والدولية لتحمل مسؤولياتها القانونية والإنسانية، والعمل على زيارة الأسرى والاطلاع على ظروف احتجازهم، والضغط لوقف الانتهاكات بحقهم.
كما دعت القوى الوطنية والإسلامية والمؤسسات المعنية بقضية الأسرى إلى مواصلة الفعاليات الشعبية والإعلامية، وإبقاء قضيتهم حاضرة في مختلف المحافل الدولية حتى نيلهم الحرية.
من جهته، قال عضو اللجنة المركزية لحزب الشعب صبحي الجديلي إن الأسرى الفلسطينيين يواجهون "موتًا بطيئًا" داخل سجون الاحتلال، مع استمرار التعذيب والتنكيل والتجويع والإهمال الطبي.
وأضاف خلال الوقفة أن المؤسسات الوطنية والحقوقية تواصل مخاطبة الجهات القانونية والدولية للتدخل من أجل إنقاذ الأسرى، إلا أن الاحتلال يواصل انتهاكاته دون اكتراث بالقوانين والاتفاقيات الإنسانية الدولية.
وأشار إلى أن ما يتعرض له الأسرى يمثل امتدادًا للانتهاكات بحق الشعب الفلسطيني، مؤكدًا ضرورة تكثيف الجهود القانونية والإعلامية لكشف هذه الممارسات أمام الرأي العام الدولي، وتعزيز الوحدة الوطنية في الدفاع عن حقوق الأسرى.
وبحسب إحصاءات مؤسسات مختصة بشؤون الأسرى، يبلغ عدد الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين والعرب في سجون الاحتلال نحو 9400 أسير ومعتقل، بينهم 99 أسيرة، وأكثر من 350 طفلًا وقاصرًا.
كما تشير الإحصاءات إلى وجود نحو 3244 معتقلًا إداريًا محتجزين دون محاكمة، إضافة إلى 1320 معتقلًا يصنفهم الاحتلال ضمن فئة "المقاتلين غير الشرعيين"، في ظل تصاعد حملات الاعتقال وتدهور الأوضاع الإنسانية والصحية داخل السجون.
وبينما تواصل عائلة شويدح انتظارها، يبقى عيد ميلاد الأسير الثامن والأربعين مناسبة جديدة لتجديد الدعاء والنداء، على أمل أن يحمل اليوم الذي تعود فيه صورة الأب من جدران الاعتصامات إلى دفء المنزل.

