في صباح الرابع عشر من ديسمبر/كانون الأول 2023، خرج شادي خلة كما خرج كثيرون في تلك الأيام، مدفوعًا بأمل العودة إلى منزل العائلة وتفقد ما حلّ به بعد الحديث عن تراجع قوات الاحتلال من المنطقة. حمل حقيبته الصغيرة التي وضع فيها أوراقه الثبوتية، وهاتفه المحمول، وبعض مقتنياته الشخصية، وغادر برفقة ابن أخته أحمد أبو وردة. منذ تلك اللحظة، انقطع أثرهما تمامًا.
لم تعثر العائلة على جثمان، ولم يصلها أي إشعار باعتقال، ولم تتلقَّ أي رد رسمي يضع حدًا لانتظار امتد لأكثر من عامين ونصف العام. وبين البحث في المستشفيات، ومراكز الإيواء، وقوائم الشهداء والأسرى، بقيت زوجته إسراء وابنته الصغيرة معلقتين بين الأمل والقلق، في حين تحول اختفاء شادي إلى واحدة من آلاف حكايات المفقودين في قطاع غزة، إذ يصبح الغياب معركة يومية لا تنتهي.
كان شادي يقيم مع أسرته في منطقة الجلاء بمدينة غزة، لكنه في يوم اختفائه كان موجودًا شمالي المدينة. تروي زوجته إسراء أن آخر مكان شوهد فيه كان في نهاية منطقة الصفطاوي، متجهًا نحو بئر النعجة، بعدما قرر الذهاب برفقة ابن أخته أحمد أبو وردة لتفقد منزل شقيقته، عقب تداول معلومات عن انسحاب قوات الاحتلال من المنطقة.
وتقول إن الحركة في ذلك الوقت بدأت تعود تدريجيًا، إذ حاول بعض السكان الوصول إلى منازلهم أو تفقدها، بعدما اعتقدوا أن الطريق أصبح أكثر أمانًا. لكن المشهد تبدل سريعًا مع تقدم قوات الاحتلال، لتنقطع أخبار الرجلين في لحظات.
حقيبة شخصية وهاتف محمول
لم يكن شادي يحمل معه سوى حقيبته الشخصية التي ضمت بطاقته الشخصية، وأوراقه الرسمية، وهاتفه المحمول، إلى جانب خاتمه ودبلته وبعض متعلقاته الخاصة. ومع انقطاع الاتصالات بشكل كامل عن قطاع غزة آنذاك، لم تتمكن العائلة من التواصل معه بعد خروجه.
منذ الساعات الأولى لاختفائه، بدأت رحلة البحث. تقول إسراء إن العائلة انتظرت حتى هدأت الأوضاع نسبيًا، ثم بدأت التحرك في مختلف الاتجاهات؛ فتشت في المستشفيات، وسألت في مراكز الإيواء، وراجعت الأماكن التي كانت تُنقل إليها جثامين الشهداء، وبحثت بين قوائم الشهداء والمصابين، لكن دون العثور على أي أثر.
وتضيف أن العائلة كانت تعرف الملابس التي ارتداها شادي يوم خروجه، وهو ما كان يمكن أن يساعد في التعرف عليه إذا كان بين الجثامين، إلا أنهم لم يجدوا أي معلومة، حتى متعلقاته الشخصية لم يظهر لها أثر.
كان آخر من شاهد شادي عدد من أشقائه ومعارفه، إذ رأوه متجهًا نحو المنطقة، في الوقت الذي كان فيه آخرون يحاولون مغادرتها. وتؤكد زوجته أن أحدًا لم يشاهد لحظة اختفائه، فمع تقدم قوات الاحتلال أصبح الوصول إلى المكان مستحيلًا، ولم يعد أحد قادرًا على معرفة ما حدث له أو لابن أخته.
لم يقتصر البحث على حدود قطاع غزة، إذ قدمت الأسرة بيانات شادي إلى مؤسسات عدة، بينها مؤسسة "هموكيد"، كما حاولت التواصل مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر وجهات أخرى معنية بملف المفقودين والأسرى، إلا أن جميع المحاولات لم تصل إلى نتيجة حاسمة.
ورغم غياب المعلومات، تتمسك الأسرة بخيط وحيد يمنحها بعض الأمل. ففي بداية الحرب، أبلغهم أحد الأسرى المفرج عنهم بأنه سأل عن اسم شادي داخل الأسر، وقيل له إنه موجود. وتوضح إسراء أن الرجل لم يكن يعرف زوجها شخصيًا، وإنما سأل عنه بالاسم فقط، ومنذ ذلك الحين أصبحت هذه الرواية المعلومة الوحيدة التي تتعلق بها الأسرة، رغم عدم وجود أي تأكيد رسمي بشأنها.
وتقول الزوجة إنها لم تتلقَّ من اللجنة الدولية للصليب الأحمر أي رد حتى اليوم، لا بالنفي ولا بالتأكيد، ولم تحصل الأسرة على أي معلومة يمكن أن تقودها إلى مصير شادي.
في المنزل، يكبر الغياب مع طفلة لم تكن قد تجاوزت عامها الثالث حين فقدت والدها. لم تكن تدرك آنذاك معنى الاختفاء، لكنها تكبر اليوم وهي تحمل أسئلة لا تجد لها والدتها إجابات، فيما تحاول الأسرة الحفاظ على ما تبقى من أمل بعودة الغائب.
وبينما تتواصل جهود توثيق أسماء المفقودين، تترقب العائلة أي إعلان جديد عن الأسرى أو أي معلومات قد تكشف مصير شادي، خاصة مع ظهور معلومات خلال الأشهر الماضية عن عدد من المحتجزين. وحتى ذلك الحين، يبقى الرابع عشر من ديسمبر تاريخًا مفتوحًا في ذاكرة الأسرة؛ يوم خرج شادي حاملًا حقيبته الصغيرة لتفقد منزل العائلة، ولم يعد.

