لم تكن ورقة نتيجة الثانوية العامة بالنسبة للشاب جهاد راجح مجرد أرقام تُعلن نهاية عام دراسي، بل شهادة انتصار على إصابة ثقيلة كادت أن تنتزع منه مستقبله قبل أن تبدأ ملامحه بالتشكل، ففي الوقت الذي ما تزال فيه آثار الحرب محفورة في جسده، اختار أن يجعل من مقاعد الدراسة ساحة أخرى للمقاومة، وأن يواجه الألم بالإصرار، حتى نال معدل 88.3% في الفرع الشرعي، فاتحًا لنفسه بابًا جديدًا نحو الحلم.
يقول جهاد لصحيفة "فلسطين" وهو يستعيد لحظة إعلان النتيجة: "شعور مفرح لحظة معرفة النتيجة، على الرغم من وجع الإصابة والصعوبات التي واجهتها، فإنها فتحت الأمل في الحياة، فأدخلت السرور على قلبي وقلوب عائلتي وأحبائي".
ففي العاشر من تشرين الأول/أكتوبر 2025، وهو اليوم الذي انتظر فيه كثيرون بداية مرحلة من الهدوء بعد إعلان وقف إطلاق النار، خرج جهاد برفقة أبناء عمه متوجهين إلى منزلهم الكائن في شارع يافا بمدينة غزة، لم يكن يدور في خلدهم أن تلك الرحلة القصيرة ستقلب حياته رأسًا على عقب، بعدما استهدفتهم طائرة حربية إسرائيلية دون طيار بصاروخ أصابهم مباشرة.

كانت إصابات جهاد بالغة، فقد بُترت ساقه اليسرى من فوق الركبة، في حين تعرضت يداه لإصابات معقدة في الأعصاب والأوتار، ولا تزالان بحاجة إلى زراعة عظم يتراوح بين ثلاثة وأربعة سنتيمترات لاستعادة جزء من وظيفتهما، وقد حصل على تحويلة علاجية بهدف استكمال علاج يديه وتركيب طرف صناعي يساعده على استعادة جزء من استقلاليته.
ومنذ ذلك اليوم، أصبح جهاد يعتمد اعتمادًا كاملًا على والديه في تفاصيل حياته اليومية، بعد أن فقد القدرة على القيام بأبسط المهام بمفرده، حتى فيما بتعلق بتقديم الامتحانات فقد اعتمد فيها على مساعدة شقيقته، وبين جلسات العلاج، وصعوبة الحركة، كان أمامه قرار مصيري: أن يؤجل الثانوية العامة حتى يتعافى، أو أن يخوض الامتحان وهو يحمل وجعه معه، ليختار الطريق الأصعب.
ويروي جهاد أن فكرة تأجيل الدراسة لم تكن خيارًا بالنسبة إليه، فالإصابة سرقت منه الكثير، لكنه رفض أن تسمح لها بسرقة مستقبله أيضًا، لذلك تمسك بكتبه، وواصل الدراسة رغم الإرهاق الجسدي والنفسي، مؤمنًا بأن العلم هو الطريق الوحيد الذي يمكن أن يعيده إلى الحياة التي يحلم بها.
ويتابع حديثه: "كنت أؤمن أن الإصابة ليست نهاية الطريق، وتأجيل الدراسة كان سيزيد شعوري بأن الحرب انتصرت عليّ، لذلك قررت أن أكمل، مهما كانت الظروف، حتى أصل إلى النتيجة التي تفتح لي باب المستقبل".
لم تكن رحلة المذاكرة سهلة، فكل صفحة كانت تُقلب بصعوبة بسبب إصابة يديه، وكل ساعة دراسة كانت تحتاج إلى جهد مضاعف، فضلًا عن حالته النفسية الناتجة عن فقدان ساقه وتغيّر تفاصيل حياته بالكامل، إلا أن الدعم الذي وجده من والديه كان سندًا أساسيًا في مواصلة الطريق، إذ تحملا معه أعباء العلاج والرعاية اليومية، وشجعاه على ألا يتخلى عن حلمه.
ويؤكد أن فرحة النجاح لم تكن شخصية فحسب، بل كانت لحظة انتصار لعائلته التي شاركته رحلة الألم منذ لحظة الإصابة وحتى إعلان النتيجة، مضيفًا: "هذا النجاح هو ثمرة تعب عائلتي قبل أن يكون ثمرة تعبي، فقد كانوا سندي الحقيقي في أصعب الأيام".

واليوم، يقف جهاد عند مفترق طريق جديد؛ فبينما ينتظر بفارغ الصبر أن يخرج اسمه ضمن كشوفات السفر لاستكمال علاجه في الخارج، يحمل في قلبه حلمًا أكبر من الشفاء نفسه، وهو الالتحاق بالجامعة لدراسة الشريعة والقانون، إيمانًا منه بأن المعرفة قادرة على بناء الإنسان حتى وإن أنهكت الحروب جسده.
ويقول بثقة لا تخلو من الأمل: "أنتظر السفر لاستكمال علاجي وتركيب الطرف الصناعي وعلاج يديّ، حتى أستطيع أن أبدأ حياتي الجامعية، فحلمي أن أدرس الشريعة والقانون، واعود للعب كرة القدم، وأثبت أن الإنسان يستطيع أن يصنع مستقبله رغم كل ما مرّ به".

