فلسطين أون لاين

ألف يوم من الغياب.. زوجة الأسير قنوع: أطفالي يكبرون على سؤال: "أين أبي؟"

...
محمد قنوع
غزة/ جمال غيث:

منذ ألف يوم، توقفت عقارب الزمن في حياة وسام قنوع، ولم يعد غياب زوجها مجرد انتظار عابر، بل تحول إلى وجع يومي يثقلها بالأسئلة، ويضاعفه صمت يحيط بمصيره المجهول.

فمحمد قنوع لا تزال عائلته تجهل مصيره، مع استمرار سياسة الإخفاء القسري التي تنتهجها سلطات الاحتلال الإسرائيلي بحق عدد من الأسرى الفلسطينيين منذ اندلاع حرب الإبادة على قطاع غزة.

كان محمد، البالغ من العمر 29 عامًا، قد خرج خلال الأيام الأولى من الهدنة التي أُبرمت بين المقاومة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي بوساطة دولية نهاية نوفمبر/ تشرين الثاني 2023، متوجهًا إلى منزله في حي الشجاعية شرقي مدينة غزة لتفقده، بعد أن أجبرته الحرب على النزوح مع أسرته.

لكن استئناف العمليات العسكرية بشكل مفاجئ، وإعادة اجتياح المنطقة، حالا دون عودته، لتنقطع أخباره منذ ذلك الحين، وتبدأ أسرته رحلة طويلة من الانتظار والبحث عن أي معلومة تكشف مصيره.

بصيص أمل وسط الغياب

وتقول وسام، لصحيفة "فلسطين"، إن آخر تواصل لها مع زوجها كان في 12 ديسمبر/ كانون الأول 2023، مضيفة: "بعد ذلك اختفى تمامًا، ولم نعد نعرف عنه شيئًا".

وتضيف أن العائلة لم تتلقَّ طوال ألف يوم أي معلومة رسمية بشأن مصيره، رغم المحاولات المتكررة للاستفسار عنه عبر المؤسسات والجهات المعنية، دون الحصول على إجابة واضحة.

وتشير إلى أن بصيص الأمل الوحيد جاء عبر أسيرين أُفرج عنهما من سجون الاحتلال، أكدا أنهما شاهدا محمد في أحد مراكز التوقيف، إلا أن هذه الشهادة لم تتحول إلى معلومة رسمية تنهي حالة القلق والانتظار.

وتقول بحزن: "نعيش بين الأمل والخوف، ونتمسك بأي خبر أو طرف خيط يطمئننا، لكن غياب أي تأكيد رسمي يجعلنا ندور كل يوم في دائرة من القلق".

WhatsApp Image 2026-07-09 at 4.54.40 PM.jpeg
 

ولا تقتصر معاناة الأسرة على غياب الزوج، وفق وسام، بل تمتد إلى أربعة أطفال يعيشون طفولتهم في ظل فقدان الأب؛ فأكبرهم يبلغ من العمر عشرة أعوام، بينما لم يعرف أصغرهم "عبادة"، البالغ اليوم ثلاث سنوات، والده إلا خلال أشهره الأولى قبل اختفائه.

وتصف أثر الغياب على أطفالها قائلة: "يسألونني كل يوم: أين بابا؟ ولا أجد جوابًا يخفف وجعهم. كبروا وهم يفتقدون الأمان والسند، وأصبحت مطالبة بأن أكون لهم الأب والأم في الوقت ذاته".

وبعد أن كانت الأسرة تقيم في حي الشجاعية، أجبرتها الحرب على النزوح إلى جنوب القطاع، لتستقر في خيمة بمنطقة المواصي غربي مدينة خان يونس، حيث تواجه ظروفًا إنسانية واقتصادية قاسية، تفاقمت مع غياب المعيل الوحيد للأسرة.

غياب قسري وانتظار مفتوح

تؤكد وسام أن المسؤولية أصبحت كاملة على عاتقها؛ من توفير الاحتياجات الأساسية، إلى رعاية الأطفال وتربيتهم، وصولًا إلى مواجهة الخوف الدائم على مستقبلهم، في ظل استمرار الغموض الذي يلف مصير زوجها.

وتوضح أن أكثر اللحظات قسوة تكون خلال الأعياد والمناسبات، حين يشعر الأطفال بغياب والدهم أكثر من أي وقت آخر، قائلة إن صوته وضحكته وتفاصيله لا تزال حاضرة في المنزل، بينما يبقى مكانه فارغًا.

وتعد قضية محمد قنوع واحدة من عشرات الحالات التي تصنفها مؤسسات حقوقية وإنسانية ضمن حالات الإخفاء القسري، في ظل امتناع سلطات الاحتلال عن الكشف عن مصير عدد من المعتقلين من قطاع غزة منذ بداية الحرب، أو الإعلان عن أماكن احتجازهم، ما يحرم عائلاتهم من معرفة مصير ذويهم أو التواصل معهم.

وتؤكد مؤسسات حقوقية أن سياسة الإخفاء القسري لا تطال الأسرى وحدهم، بل تمتد آثارها النفسية والاجتماعية إلى عائلاتهم، التي تعيش فصولًا طويلة من الانتظار والقلق، في مخالفة للمواثيق الدولية التي تكفل حق العائلات في معرفة مصير أحبائها.

وبحسب معطيات مؤسسات فلسطينية، بلغ عدد الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية حتى مطلع يوليو/ تموز الجاري نحو 9400 أسير ومعتقل، بينهم أكثر من 350 طفلًا و99 أسيرة، وسط تحذيرات من استمرار سياسة الإخفاء القسري بحق معتقلين من قطاع غزة وحرمانهم من الضمانات القانونية والزيارات والتواصل مع عائلاتهم.

وبعد مرور ألف يوم على اختفاء زوجها، لا تطلب وسام سوى حق بسيط تكفله القوانين الدولية: معرفة مصيره.

وتختتم رسالتها بالقول: "ألف يوم فترة طويلة جدًا. من حقنا أن نعرف أين أزواجنا وأبناؤنا الأسرى والمفقودون، ومن حق أطفالي أن يعرفوا أين والدهم، وأن يكبروا وهم مطمئنون إلى مصيره. نطالب المجتمع الدولي وكل الجهات المعنية بالتحرك العاجل لكشف الحقيقة، وعدم ترك عائلات الأسرى وحدها تواجه هذا الانتظار القاسي"

المصدر / فلسطين أون لاين