فلسطين أون لاين

الأمير الوالد حمد بن خليفة آل ثاني.. رجلٌ دخل غزة في زمن الحصار فدخل قلوب أهلها

ترحل الشخصيات العظيمة، لكن مواقفها تبقى حيّة في ذاكرة الشعوب، لا تمحوها السنوات ولا تغيرها تقلبات السياسة. واليوم، يودع أهل غزة ببالغ الحزن والأسى صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، الرجل الذي لم يكن بالنسبة لهم مجرد قائدٍ لدولة شقيقة، بل كان رمزًا لموقفٍ عربي وإنساني نادر، تجسد في وقتٍ كانت فيه غزة تعيش واحدة من أقسى مراحل الحصار والعزلة.

لقد جاءت زيارته التاريخية إلى قطاع غزة في الثالث والعشرين من أكتوبر عام 2012، حين كانت أبواب القطاع موصدة، وكانت آثار الحروب والحصار تملأ تفاصيل الحياة. يومها لم تكن الزيارة حدثًا بروتوكوليًا عابرًا، بل كانت رسالة سياسية وإنسانية حملت الكثير من المعاني، إذ كان أول زعيم عربي يدخل قطاع غزة في وجود الحصار، ليؤكد للعالم أن غزة ليست وحدها، وأن شعبها يستحق الحياة والكرامة.

استقبل الفلسطينيون الأمير الوالد بحفاوة كبيرة، وارتفعت الأصوات في الشوارع والساحات تهتف: "شكرًا قطر"، تعبيرًا عن الامتنان لدولة وقفت إلى جانبهم في لحظة كان فيها كثيرون يكتفون ببيانات الشجب والاستنكار. لم يكن المشهد مجرد استقبال رسمي، بل كان لقاءً بين شعبٍ أنهكته المعاناة، وقائدٍ اختار أن يكون حاضرًا بينهم رغم كل التعقيدات السياسية والأمنية.

ولم تتوقف آثار تلك الزيارة عند حدود الرمزية، بل تحولت إلى مشاريع تنموية وإغاثية تركت بصمتها الواضحة في حياة الفلسطينيين. فقد شهد قطاع غزة تنفيذ مدينة الشيخ حمد السكنية، التي أصبحت اليوم من أكبر المدن السكنية في القطاع، واستفادت منها آلاف الأسر التي فقدت منازلها أو كانت تبحث عن مسكن كريم. كما شملت المبادرات مشاريع للطرق والبنية التحتية، والمنشآت الصحية والتعليمية، إضافة إلى مدينة الأسرى وغيرها من المشاريع التي أسهمت في تخفيف معاناة الناس وتعزيز صمودهم.

وبالرغم من مرور السنوات، بقي اسم الأمير الوالد حاضرًا في ذاكرة الغزيين كلما مروا بشارع أُعيد تأهيله، أو دخلوا مدينةً سكنية وفرت الأمان لعائلاتهم، أو رأوا مشروعًا حمل اسم قطر. فالأثر الحقيقي لا يُقاس بالكلمات، وإنما بما يبقى بعد رحيل صاحبه، وما يبقى للأمير الوالد في غزة كثير.

واليوم، بينما تواصل غزة معاناتها وسط حربٍ مدمرة وظروف إنسانية غير مسبوقة، يستحضر الفلسطينيون تلك المواقف النبيلة بكل وفاء، ويستذكرون قائدًا اختار أن يقف إلى جانبهم بالفعل قبل القول، وأن يترجم التضامن إلى مشاريع وإعمار وتنمية، لا إلى شعارات عابرة.

إننا في فلسطين، وفي قطاع غزة على وجه الخصوص، نتقدم بأحر التعازي وصادق المواساة إلى حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير دولة قطر، وإلى الأسرة الحاكمة، وإلى الشعب القطري الشقيق، سائلين الله أن يلهمهم الصبر والسلوان، وأن يجزي الأمير الوالد خير الجزاء على ما قدمه لوطنه وأمته وللشعب الفلسطيني.

سيبقى الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني حاضرًا في ذاكرة غزة، ليس لأنه زارها فحسب، بل لأنه زارها حين كان الوصول إليها موقفًا، وحين كان الوقوف إلى جانبها يحتاج إلى شجاعة وإرادة. وستظل أعماله شاهدة على أن المواقف الصادقة لا تموت برحيل أصحابها، بل تبقى مناراتٍ للأجيال، وعنوانًا للوفاء الذي لا ينساه شعبٌ عرف قيمة من وقف معه في أيام الشدة.

رحم الله الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن فلسطين وأهلها خير الجزاء، وأدام على دولة قطر أمنها وعزها وقيادتها الرشيدة.

المصدر / فلسطين أون لاين