- البطة: بلدية خان يونس تؤسس جسماً تنسيقياً إلكترونياً وتنتقد غياب العدالة في توزيع المساعدات
- رئيس البلدية يهاجم البنوك وشركات الاتصالات: مساهمتكم المجتمعية المادية "صفرية" إبان الحرب
- البطة: أنهينا سطوة السماسرة وخفضنا إيجار متر البسطات من 1000 شيكل إلى 40 شيكلاً
أكد رئيس بلدية خان يونس نائب رئيس اتحاد البلديات، علاء البطة، أن نحو 85% من البنية التحتية في المدينة تعرضت للدمار الشامل جراء الحرب المستمرة، وتدمير مئات آلاف الأمتار من شبكات المياه والصرف الصحي، وما يقارب مليون متر طولي من الطرق والأرصفة، بالإضافة إلى تدمير عدد كبير من آبار المياه والمنشآت المرتبطة بها، والحدائق والمرافق العامة ومبنى البلدية الرئيسي، بفعل حرب الإبادة الجماعية لدولة الاحتلال على قطاع غزة.
وقال البطة خلال لقاء "نبض غزة" الذي نظمته صحيفة "فلسطين": إن "خان يونس تعد البلدية الأكبر من حيث عدد السكان في قطاع غزة، حيث تضم حالياً المواطنين والنازحين على حد سواء".
وأوضح أن البلدية تستضيف اليوم سكان أكثر من عشر بلديات أخرى في نصف مساحتها الجغرافية فقط، حيث تبلغ المساحة الإجمالية للمدينة حوالي 108 كيلومترات مربعة، ومساحة نفوذ البلدية بمفردها 54 كيلومتراً مربعاً.
وأضاف أن المساحة المتاحة للاستخدام الفعلي اليوم تراجعت لتصل إلى 30 كيلومتراً مربعاً فقط، يعيش فوقها نحو 950 ألف نسمة في حالة تكديس سكاني خيالية، وبمعدل كثافة يصل إلى 30 ألف نسمة في الكيلومتر المربع الواحد.
وتضم المدينة، حسب البطة، 550 ألف نسمة من سكانها الأصليين، يضاف إليهم 280 ألف نازح من رفح، وحوالي 100 إلى 150 ألف نازح من غزة والشمال، يتوزعون على نحو 200 ألف خيمة؛ بمعدل 4 إلى 5 أفراد في الخيمة الواحدة.
مكافحة الحشرات

وفي إطار مواجهة الأزمات الصحية البيئية المتفاقمة، أوضح رئيس البلدية أن الطواقم بذلت جهوداً استثنائية لمكافحة الآفات كالبراغيث والبعوض والقوارض التي تنتشر في بؤر المخيمات، مشيراً إلى أن بلدية خان يونس كانت سباقة في الميدان عبر مواصلة العمل لـ 60 يوماً متتالياً بالاعتماد على جهودها الذاتية وموازنتها المباشرة، حيث تمكنت من رش 110 آلاف خيمة بواقع لتر واحد من سائل الرش لكل خيمة.
وأكد أن الفرق الميدانية تسابق الزمن ولم تتوقف عن العمل بهدف إنهاء رش كافة الخيام المتبقية خلال الأيام العشرة القادمة.
وحول آليات العمل الميداني، أوضح البطة أن البلدية تحركت وفق ثلاثة مسارات أساسية المسار الأول: التنسيق مع 750 مخيماً ونقطة نزوح عبر 30 ممثلاً لهم، لتوزيع مواد المكافحة وفق مصفوفة زمنية محددة.
والمسار الثاني، حسب البطة، استهداف الأحياء المستقرة والقائمة بالتعاون مع لجان الأحياء، حيث تتركز الجهود حالياً في 9 أحياء فاعلة فقط من أصل 20 حياً (وهي: مخيم خان يونس، الأمل، البلد، بطن السمين، السطر، الكتيبة، مدينة الشيخ حمد، رشوان، والمحطة)، وتم تزويدهم بالمواد لضمان الرش الذاتي.
والمسار الثالث، وفق البطة، المسار المركزي الذي تولت فيه طواقم البلدية مباشرة رش البرك المركزية الكبرى، مثل بركة حي الأمل، وبركة أبو الريش، وبركة المجادلة.
وعن أزمة القوارض والجرذان، قال رئيس البلدية بأسف: "إنه لأمر محزن أن نضطر للحديث عن هذه الأزمات عبر وسائل الإعلام والفضائيات؛ فقبل الحرب لم تكن هذه الأمور تتطلب تدخل رئيس البلدية شخصياً بل كانت تُعالج مباشرة من قِبل طواقم الشباب لتوفر المواد".
وأكد أن البلدية تواجه عجزاً كبيراً في توفر سموم الفئران نظراً لندرتها الشديدة في الأسواق، مما دفعها لإطلاق نداء استغاثة لكل من يملك هذه المواد لتقديمها للبلدية.
وأشار إلى أن البلدية اضطرت لشراء لتر واحد مركّز من السوق المحلية بمبلغ خيالي وصادم وصل إلى 6000 شيكل، في حين أن قيمته الحقيقية قبل الحرب لم تكن تتجاوز 60 شيكلاً فقط. وبمجموع إجمالي بلغ 30 ألف شيكل (نحو 10 آلاف دولار)، تم شراء 5 لترات مركزة فقط -كانت قيمتها قبل الحرب لا تتعدى 100 دولار- حيث جرى معالجتها وخلطها بمواد أخرى لتحويلها إلى 6000 عبوة صغيرة مغلفة ومرفقة بالإرشادات اللازمة لتجنب لمس المادة باليد أثناء الاستخدام.
التحديات التشغيلية

وفيما يتعلق بالتحديات التشغيلية وإزالة آثار الدمار، أكد البطة أن البلدية تبذل جهوداً مضنية في إزالة الركام وفتح الطرقات الحيوية لتسهيل حركة المواطنين وسيارات الإسعاف، بالتعاون والتنسيق المستمر مع المؤسسات والمنظمات الدولية الشريكة، وفي مقدمتها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (الأونروا)، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA).
وشدد على أن النقص الحاد في إمدادات الوقود (السولار) والمعدات الثقيلة يمثل العائق الأكبر الذي يهدد بتوقف عمليات الإنقاذ والخدمات الأساسية، وناشد المجتمع الدولي والجهات المانحة بالتدخل العاجل لتوفير المواد اللازمة لضمان استمرار عمل طواقم البلدية وتفادي كارثة إنسانية وبيئية أكبر.
وأوضح رئيس بلدية خان يونس، أن البلدية وضعت إرشادات صارمة على عبوات مادة مكافحة القوارض (6000 عبوة فقط) تؤكد ضرورة تجنب لمسها باليد، مشيراً إلى أن شح الكمية دفع البلدية إلى توجيهها وتوزيعها بعناية فائقة لتستهدف مراكز النزوح، والمناطق التي تشتهر بتوالد القوارض بكثرة، بالإضافة إلى مكبات النفايات وأماكن تجمع الركام. ووصف البطة هذا الجهد بالمتواضع نظراً لأن ستة آلاف كيس لا تكفي للاستجابة للواقع الميداني الحالي.
تقصير دولي
وقال البطة إن التدخل المتأخر للمؤسسات الدولية بدأ قبل ثلاثة أيام فقط، وذلك بعد ستين يوماً كاملة من جهود المكافحة الذاتية التي خاضتها البلدية بمفردها، معرباً عن عدم رضاه التام عن هذا الأداء.
وأكد أنه من غير المقبول ترك البلدية تواجه الأزمة وحدها طوال شهرين بجهودها البسيطة، لافتاً إلى غياب التنظيم والتنسيق الحقيقي للعمل الإنساني وجود تداخل كبير وفوضى بين الجهات المتعددة، مثل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، ومكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، واللجنتين المصرية والقطرية، وحملة (الفارس الشهم)، وغيرها من الجمعيات.
وفي هذا السياق، أشار رئيس البلدية بأسف إلى غياب جهة مركزية واحدة للتنسيق، مستشهداً بتلقيه خمس مكالمات من خمس مؤسسات مختلفة في يوم واحد لترتيب العمل، ليتبين لاحقاً أن بعضها لا يملك أي إمكانيات على الأرض وإنما تبحث عن المشاركة الإعلامية فقط في حملة البلدية القائمة، معتبراً هذا الواقع مبعثاً للأسى في ظل عدم وجود سند حقيقي وكافٍ لإنهاء معاناة المواطنين.
وشدد البطة على الحاجة الماسّة لحراك حقيقي وتوحيد للجهود للقضاء على هذه الآفات التي تهدد البيئة والصحة العامة، وسلامة الأطفال والنساء والرجال في قطاع غزة.
وعن تقييمه العام لدور الدعم الدولي والإغاثي، قال البطة بوضوح إن ما يقدم للمواطن الفلسطيني لا يرتقي أبداً إلى حجم الكارثة ومستوى الدمار والأسى؛ مستنكراً استغراق التنسيق لإدخال سموم مكافحة القوارض ستين يوماً كاملة رغم توفرها في جميع دول العالم، واصفاً هذا الإجراء بالبطء الشديد وغير المبرر.
وفي ملف الآليات والمولدات الكهربائية، أكد رئيس البلدية أن بلدية خان يونس تواجه أزمة حقيقية بفعل تهالك وتدمير أسطولها ومعداتها الثقيلة؛ حيث تم قصف الكراج المركزي للبلدية وتدمير آلياته بالكامل، كما جرى في بلديتي غزة وجباليا. وأوضح أن طواقم العمل فقدت أكثر من 25 شهيداً من موظفي البلدية الذين استُهدفوا وقُصفوا مباشرة أثناء تأديتهم لمهامهم الإنسانية في الميدان.
وذكر أن البلدية تمتلك حوالي 60 مولداً متهالكاً، قُدمت الصيانة لمجموعة منها ليبقى متاحاً للعمل ما بين 30 إلى 40 مولداً فقط، لافتاً إلى أن أحدث مولد يعود تاريخ إنتاجه واستخدامه في البلدية إلى عشر سنوات، مما جعل العطل والتوقف المفاجئ سمة طبيعية لها.
وللتدليل على حجم الأزمة والأسعار الفلكية، قال البطة إنه اضطر لشراء لتر زيت المحركات الواحد بمبلغ 1300 شيكل، في حين أن قيمته الحقيقية لا تتجاوز 10 شواكل، مؤكداً أن العقل البشري لا يستوعب شراء كمية من الزيت (نحو 12 لتراً) بمبلغ يصل إلى 15,600 شيكل.
وأشار إلى أن البلدية مجبرة على الشراء بأي ثمن لمنع توقف الخدمات؛ لأن توقف المولد يعني فوراً انقطاع ضخ المياه عن المواطنين، والذين تصلهم المياه بصعوبة بالغة ومرة واحدة في الأسبوع نتيجة شح الوقود، مما يضطر البلدية لشراء كميات إضافية متلاحقة من الزيت والسولار من السوق السوداء بأسعار جنونية لتشجيع الناس على الصمود.
واتهم البطة المؤسسات الدولية بالتقصير والتنصل من واجباتها المناطة بها، مؤكداً أنه منذ بداية مارس الماضي لم تتلقَّ بلديات قطاع غزة كافة لتراً واحداً من السولار المخصص لرفع الركام وإزالة الأنقاض. وبينما يتم التنسيق لـوقود المياه عبر مصلحة مياه بلديات الساحل، أوضح أن وقود إزالة الركام -الذي كان يصل عبر الهيئة العربية لإعمار فلسطين بحصص أسبوعية خلال التهدئتين الأولى والثانية- انقطع تماماً بالتزامن مع التوترات الإقليمية الأخيرة، ولم يدخل القطاع أي إمداد منه حتى اللحظة، مما شكّل خذلاناً دولياً دفع بالبلدية للاعتماد التام على المجتمع المدني المحلي والجمعيات الخيرية.
وأكد رئيس البلدية مواجهة هذه المعضلة المركبة المتمثلة في قدم الآليات والغلاء الفاحش لقطع الغيار والصيانة، مستشهداً بأن ثمن أربع إطارات لجرافة (كابوش) من نوع (بين قسيم) يصل اليوم إلى نحو 70 ألف دولار، وهو ما يعادل ثمن الجرافة بأكملها قبل الحرب.
وبين البلدية رفضت الاستسلام للظلام، وتحايلت على الحصار المشدد بالتعاقد مع القطاع الخاص لاستئجار آلياته كبديل مؤقت لتسيير الحياة اليومية وفتح الطرقات الحيوية أمام المواطنين.
تخلي الشركات الخاصة
وفي مكاشفة صريحة حول المسؤولية المجتمعية للقطاع الخاص والشركات الكبرى إبان الحرب، قال رئيس بلدية خان يونس، علاء البطة: "لأكون منصفاً وأوضح ما لنا وما علينا؛ نحن لم نخاطب هذه الشركات الكبرى بوضوح لأنني أعرف الإجابة مسبقاً"، مضيفاً بأسف أن كثراً هم الذين أثروا ثراءً فاحشاً خلال هذه الحرب، في حين أن قلة قليلة منهم فقط من يقرّ بذلك.
وأوضح البطة أنه تواصل شخصياً مع عدد من رجال الأعمال لطلب مساعدات عاجلة لموظفي البلدية الذين يمرون بظروف قاسية ولا يتلقون سوى 1000 شيكل كل 90 يوماً، بيد أن ردودهم جاءت متهربة بين ادعاء عدم الامتلاك والتحجج بالمصاريف العائلية أو التمارض والتملص الإعلامي، مؤكداً أن الأرقام الحقيقية الموثقة لدى البلدية تثبت أن بعضهم بات يمتلك الملايين بالفعل.
وأشار رئيس البلدية بمرارة إلى أن المساهمة المجتمعية المادية المباشرة لقطاعي البنوك والاتصالات تعد "صفرية"؛ واصفاً قطاع البنوك بأنه منفصل تماماً عن الواقع المحيط والمواطنين وكأنه يعيش في كوكب آخر، ومشيراً إلى أن الجميع بات يتخذ من "شماعة الحصار" أو "شماعة الانقسام والخلافات السياسية" عذراً جاهزاً للهروب من الاستحقاق والمسؤولية المجتمعية.
ولضبط المشهد الإغاثي وتوجيه الدعم، قال البطة إن البلدية أسست قبل نحو شهر "جسماً تنسيقياً للمبادرين" بعد رصد خلل كبير وازدواجية في التوزيع؛ حيث كان يتم التركيز إعلامياً على مخيمات بعينها لتتلقى من 10 إلى 15 طرداً إغاثياً شهرياً وكميات هائلة من المياه المحلاة وكفالات الأيتام، بينما تُحرم مخيمات مجاورة من طرد واحد أو كافل وتتجرع العطش الجاف.
وأضاف مؤكداً أن البلدية نجحت، بالتعاون مع وزارة التنمية الاجتماعية، في إعداد منظومة معلوماتية إلكترونية متكاملة لضبط البيانات ومنع تكرار المساعدات لضمان العدالة والوصول لكل محتاج، موضحاً أن النظام مبرمج إلكترونياً ليرفض الصرف لأي مواطن تلقى مساعدة خلال الشهر ذاته، فضلاً عن توجيه وتنويع المساعدات (كتحويل المساعدات إلى طرود صحية أو خاصة بالأطفال إذا اكتفت المنطقة بالمواد الغذائية).
وفي الملف التنظيمي الداخلي، وفي إجابة عن سؤال حول "أزمة البسطات" واحتكار الأرصفة في منطقة المواصي ووسط المدينة، كشف البطة عن لقاءات موسعة ومكثفة مع الفصائل والقوى الوطنية استمرت لساعات متأخرة من الليل لوضع حد لهذه المعضلة.

