فلسطين أون لاين

اليهود بين السرديات التاريخية والصراع السياسي في غزة: قراءة في الجدل والذاكرة

من المهم قبل الدخول في أي نقاش تاريخي أو سياسي حول غزة وفلسطين، التمييز بين التاريخ كعلم قائم على البحث والتحقيق والمصادر، وبين “السرديات السياسية” التي تُستخدم في الصراع لتفسير الماضي وتبرير الحاضر. فحين يُطرح موضوع “اليهود في غزة” أو في فلسطين عمومًا، فإننا لا نتعامل مع قصة واحدة ثابتة، بل مع طبقات متعددة من التاريخ، وقراءات مختلفة له، كثير منها يتأثر بالسياسة أكثر مما يتأثر بالبحث الأكاديمي.

غزة، كمدينة ساحلية قديمة، ليست هامشًا في التاريخ، بل مركزًا تعاقبت عليه حضارات عديدة: الكنعانيون الذين يُعدّون من أقدم السكان المعروفين للمنطقة، ثم الفراعنة، فالآشوريون والبابليون والفرس، وصولًا إلى الإغريق والرومان. لاحقًا، أصبحت جزءًا من العالم الإسلامي منذ القرن السابع الميلادي، وتطورت فيها حياة حضارية عربية-إسلامية متواصلة حتى العصر الحديث. هذه الطبقات التاريخية المتراكمة تجعل من غزة مكانًا شديد التعقيد من الناحية التاريخية، وليس أرضًا ذات رواية واحدة بسيطة.

أما فيما يتعلق باليهود، فهم جزء من التاريخ الإقليمي الأوسع للشرق الأوسط، حيث وُجدت تجمعات يهودية في فترات مختلفة داخل فلسطين التاريخية، كما وُجدت شعوب أخرى متعددة. لكن الإشكال لا يكمن في الوجود التاريخي بحد ذاته، بل في كيفية تحويل هذا الوجود إلى “سردية سياسية حديثة” تُستخدم لتفسير الصراع المعاصر وشرعنة السيادة أو نفيها عن الآخرين.

في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، ظهرت الحركة الصهيونية كحركة سياسية أوروبية في الأساس، سعت إلى إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين. وقد اعتمدت هذه الحركة في خطابها على الربط بين النصوص الدينية والتاريخ القديم وبين مشروع سياسي حديث، وهو ما أدّى إلى إنتاج سردية تقول بوجود “حق تاريخي” ممتد عبر آلاف السنين. هذه السردية أصبحت لاحقًا جزءًا من الخطاب الرسمي الإسرائيلي، لكنها بقيت محل جدل واسع بين المؤرخين وعلماء الآثار والسياسة، خصوصًا فيما يتعلق بتفسير العلاقة بين الماضي القديم والواقع السياسي الحالي.

في المقابل، يتمسك الفلسطينيون بسردية تاريخية مختلفة، تقوم على الاستمرارية السكانية والثقافية في الأرض، وعلى أن وجودهم لم ينقطع عبر القرون، وأنهم أصحاب الأرض المعاصرون الذين تعرضوا للتهجير والنزاع مع قيام دولة إسرائيل عام 1948. ومن هنا نشأ الصراع ليس فقط على الأرض، بل أيضًا على “رواية الأرض”: من يملك حق تعريف التاريخ؟ ومن يملك سلطة تفسيره؟

غزة تحديدًا أصبحت رمزًا مكثفًا لهذا الصراع. فهي اليوم ليست مجرد مدينة محاصرة، بل مساحة تُختبر فيها كل هذه السرديات المتناقضة. فبينما يرى الفلسطينيون فيها جزءًا من وطنهم التاريخي الممتد، تنظر إليها إسرائيل في سياق أمني وتاريخي وسياسي معقد، يتداخل فيه الماضي الديني مع الحاضر العسكري.

لكن من المهم التأكيد أن استخدام التاريخ كأداة سياسية لا يلغي الحقائق الأساسية التي يعتمد عليها البحث العلمي: لا توجد رواية واحدة “نهائية” للتاريخ، ولا يمكن اختزال آلاف السنين من التحولات في سردية واحدة تخدم طرفًا سياسيًا دون آخر. علم التاريخ الحديث يقوم على النقد والمقارنة بين المصادر، وليس على اختيار رواية واحدة وإقصاء البقية.

كما أن القانون الدولي المعاصر لا يقوم على روايات دينية أو تاريخية قديمة كأساس للسيادة، بل على مبادئ مثل حق الشعوب في تقرير المصير، وعدم جواز الاحتلال، وشرعية الحدود المعترف بها دوليًا. وهذا ما يجعل الصراع في غزة وفلسطين عمومًا جزءًا من قضايا القرن العشرين والحادي والعشرين، وليس مجرد امتداد مباشر لنصوص أو أحداث تعود إلى آلاف السنين.

إن أحد أخطر جوانب هذا الصراع هو تحويل التاريخ إلى أداة تعبئة، بدل أن يكون مجالًا للفهم والتحليل. فعندما تتحول الذاكرة إلى سلاح، يصبح من الصعب الوصول إلى أرضية مشتركة، لأن كل طرف يرى في نفسه الامتداد الحصري للحقيقة، وفي الآخر نفيًا لها.

ومع ذلك، فإن قراءة أكثر توازنًا للتاريخ تُظهر أن المنطقة لم تكن يومًا ملكًا حصريًا لشعب واحد فقط، بل كانت دائمًا مساحة تداخل حضاري وثقافي وديني. هذا التداخل لا يمكن تجاهله، لكنه أيضًا لا يجب أن يُستخدم لتبرير إقصاء أي شعب من حقه في الحياة والوجود على أرضه.

في النهاية، يبقى مستقبل غزة وفلسطين مرهونًا ليس فقط بالقوة أو السياسة، بل أيضًا بالقدرة على الانتقال من “صراع الروايات” إلى “حوار الحقائق”، حيث يُنظر إلى التاريخ كحقل معرفة، لا كسلاح، وإلى الإنسان كغاية، لا كوسيلة في سرديات الماضي.

المصدر / فلسطين أون لاين