فلسطين أون لاين

سراب الأثر: كيف تتهاوى السردية الإسرائيلية في غزة أمام حقائق الأرض والتاريخ

في قلب غزة، حيث تتشابك جذور أشجار الزيتون القديمة مع حجام البيوت العتيقة، تدور معركة من نوع آخر؛ معركة لا تُستخدم فيها القذائف والصواريخ فحسب، بل تُوظف فيها الروايات، والتأويلات التوراتية، ومحاولات مستمرة لصناعة "تاريخ موازٍ". منذ عقود، تسعى الماكينة الأيديولوجية والسياسية الإسرائيلية إلى إيجاد موطأ قدم تاريخي أو أثري يربط الوجود اليهودي بقطاع غزة، متكئة على قراءات انتقائية للنصوص القديمة، ومحاولة إسقاطها قسراً على جغرافيا القطاع الممتد على ساحل البحر الأبيض المتوسط. إلا أن هذا التوجه يصطدم دوماً بجدار صلب من الحقائق الآثارية والدراسات التاريخية المحايدة التي تؤكد أن غزة كانت، وستبقى، عمقاً كنعانياً فلسطينياً عصياً على التزوير.

التوظيف السياسي لـ "الأسطورة": غزة في المخيال الصهيوني

تاريخياً، لم تكن غزة يوماً جزءاً من المستقَر التقليدي للممالك العبرية القديمة؛ بل كانت على الدوام، وفقاً للنصوص التاريخية والتوراتية نفسها، معقلاً لـ "الفلسطينيين الأوائل" (Philistines)، وهم الكنعانيون والقبائل الساحلية التي خاضت صراعاً ممتداً ضد المجموعات العبرانية في المرتفعات الداخلية.

ومع ذلك، حاولت السردية الصهيونية مراراً استدعاء قصص مجتزأة من العهد القديم—مثل قصة "شمشون الجبار" وبوابات غزة—لإضفاء صبغة "مقدسة" أو "تاريخية" تبرر الأطماع الاستعمارية الحديثة في القطاع. هذا الاتكاء على النص الديني وتحويله إلى "وثيقة طابو" سياسية هو الأداة الأبرز التي تحاول إسرائيل من خلالها شرعنة حصارها وحروبها المتكررة على القطاع، عبر تصوير الصراع الحالي وكأنه امتداد لحروب غابرة، في محاولة لإيقاظ مشاعر دينية تدعم المشروع الاستيطاني.

حقيقة تاريخية: يجمع علماء الآثار والمؤرخون، بمن فيهم إسرائيليون من "المدرسة النقدية"، على أن غزة شكلت عبر التاريخ العاصمة الإقليمية للحكم المصري القديم في كنعان، ثم مركزاً للمدن الفلسطينية الخمس (بنتابوليس)، ولم تخضع يوماً لسيادة عبرية مستدامة أو حقيقية؛علم الآثار الموجه: التنقيب تحت وطأة الدبابات.

منذ احتلال قطاع غزة عام 1967 وحتى الانسحاب منه عام 2005، قادت دائرة الآثار الإسرائيلية حملات تنقيب واسعة النطاق في مناطق مختلفة من القطاع، لا سيما في تلال "بلاخية" (الأنثيدون القديمة) ومناطق دير البلح. كان الهدف غير المعلن هو العثور على نقش واحد، أو عملة معدنية، أو بقايا معبد تثبت رواية "اليهودية التاريخية" للمكان.

لكن النتائج جاءت مخيبة لآمال الحفر الأيديولوجي:

 موقع دير البلح: كشفت التنقيبات الإسرائيلية التي قادتها "تريزا ليفيت" في السبعينيات عن مقابر توابيت فخارية ذات طابع مصري كنعاني خالص، تعود للعصر البرونزي المتأخر، دون أي أثر للمجموعات العبرية.

 الفترات الكلاسيكية: أثبتت الآثار في غزة ازدهارها كمدينة يونانية (هيلينستية) ثم رائدة في العصر البيزنطي والإسلامي، حيث كانت غزة "هاشم" مركزاً تجارياً وثقافياً يربط الجزيرة العربية بالشام ومصر.

أمام هذا الفشل المعرفي، لجأت السلطات الإسرائيلية في كثير من الأحيان إلى سرقة الآثار المكتشفة ونقلها إلى متاحف داخل إسرائيل (مثل متحف Rockefeller في القدس ومتحف إسرائيل)، في محاولة لطمس المعالم الإقليمية لغزة وإعادة تصنيفها ضمن سياق ثقافي مغاير.

صمود الرواية الأرضية: ما تقوله الحجارة

إن القوة السردية لغزة لا تنبع من كتب أُعيدت كتابتها بتمويل سياسي، بل من شواهد الأرض التي لا تكذب. إن التنقيبات المستمرة (والتي شاركت فيها بعثات فرنسية وفلسطينية في السنوات الأخيرة) تُظهر بوضوح الطبقات الحضارية المتراكمة للقطاع:الخاتمة: الرواية المزيفة في مواجهة الوعي الجماعي.

إن محاولة إسرائيل الاتكاء على تاريخ مزيف في غزة ليست مجرد ترف فكري أو سجال أكاديمي، بل هي أيديولوجية إحلالية تُستخدم لتبرير محو الحاضر. فعندما يتم تصوير غزة في الخطاب السياسي الإسرائيلي كـ "أرض غريبة يجب إخضاعها" بناءً على نصوص قديمة، يُصبح تدمير أحيائها التاريخية ومتاحفها المعاصرة جزءاً من عملية ممنهجة لهندسة التاريخ واستبدال الحقيقة بالخرافة.

لكن، ومثلما تلفظ شواطئ غزة الرمال الزائدة، فإن تاريخها الحقيقي العصي على التزوير يستمر في تفكيك الرواية الإسرائيلية؛ مبيناً للعالم أن هوية هذه الأرض كُتبت بمداد البحر، وزيت الزيتون، وحضارات ممتدة عبر العصور، وليس بقرارات سياسية أو أساطير تُفرض بقوة السلاح.

المصدر / فلسطين أون لاين