في غزة، لا يبدأ يوم الصحفي بانطلاقه إلى مكتبه، ولا ينتهي بعودته إلى منزله، لأن المكتب قد يكون غرفة صغيرة في بيت نجا من القصف، والمنزل قد لا يبقى قائماً حتى المساء. هناك، أصبح العمل الصحفي رحلة يومية بين الخوف والواجب، وبين الرغبة في النجاة والإصرار على نقل ما يحدث إلى العالم. الصحفيون في غزة لا يعملون في ظروف عادية يمكن فيها الفصل بين الحياة المهنية والحياة الشخصية؛ هم يعيشون الحدث الذي يوثقونه، ويسيرون في الشوارع نفسها التي ينقلون أخبارها، ويبحثون عن الكلمات وسط أصوات الانفجارات، ويحاولون أن يحافظوا على قدرتهم على العمل في وقت قد يفقد فيه أحدهم زميلاً أو قريباً أو منزلاً.
منذ اندلاع الحرب، وجد الصحفي الغزي نفسه أمام مسؤولية استثنائية. لم يعد مطلوباً منه أن ينقل خبراً فحسب، بل أن يوثق تفاصيل حياة كاملة تتعرض للتدمير، وأن يحفظ بالصورة والكلمة أسماء الضحايا ووجوههم وقصصهم، وأن يمنح العالم فرصة ليرى ما يحدث خلف الأرقام والعناوين العاجلة. فكل رقم في نشرات الأخبار له حكاية، وكل صورة لطفل أو أم أو رجل يبحث بين الركام تحمل وراءها حياة كانت ذات يوم مليئة بالتفاصيل والأحلام. وبينما يتابع العالم الأخبار من شاشاته، يعيش الصحفي في غزة وسط الحدث نفسه، يحمل كاميرته أو هاتفه، ويتنقل من مكان إلى آخر بحثاً عن الحقيقة، وهو يعرف أن الطريق الذي يسلكه قد يكون محفوفاً بالخطر.
لم تكن معاناة الصحفيين في غزة مرتبطة بالخطر الأمني وحده. فالحرب فرضت عليهم ظروفاً إنسانية قاسية جعلت ممارسة المهنة أكثر صعوبة. انقطاع الكهرباء، وضعف شبكات الاتصال، ونقص الوقود، وصعوبة التنقل، كلها تحولت إلى عوائق يومية أمام نقل الأخبار. الصحفي الذي يريد إرسال تقرير أو صورة قد يقضي ساعات بحثاً عن وسيلة اتصال، وقد يضطر إلى الانتقال لمسافات طويلة من أجل شحن هاتف أو حاسوب، أو العثور على شبكة إنترنت تسمح له بإرسال مادته. وفي أحيان كثيرة، لا يكون السؤال هو كيف يكتب التقرير، بل كيف يستطيع الوصول إلى مكان آمن نسبياً ليكتبه ويرسله.
ورغم ذلك، واصل كثير من الصحفيين عملهم. بعضهم فقد منزله، وبعضهم فقد أفراداً من عائلته، وبعضهم اضطر إلى النزوح مرات متكررة، ومع ذلك ظل يحمل أدوات عمله معه. الكاميرا بالنسبة إلى الصحفي لم تعد مجرد وسيلة مهنية، بل أصبحت شاهداً على زمن قاسٍ، والهاتف المحمول تحول إلى نافذة صغيرة يحاول من خلالها أن يفتح للعالم صورة عن الواقع. كان الصحفي يذهب إلى موقع القصف، ثم يعود ليكتب عن المكان، وربما يكتشف بعد ساعات أن المنطقة التي كان فيها قد تعرضت لقصف جديد. وفي بعض الحالات، كان الصحفي يؤدي عمله وهو يعيش شخصياً المأساة التي ينقلها، فيتحول الخبر من مادة مهنية إلى جزء من ذاكرته الخاصة.
أصعب ما يواجهه الصحفي في مثل هذه الظروف هو أن يحافظ على إنسانيته ومهنيته في آن واحد. فحين يقف أمام عائلة فقدت أحد أفرادها، يصبح من الصعب أن يبقى مجرد ناقل محايد للمشهد، لأن الألم الذي يراه أمامه يشبه ألمه الشخصي، ولأن الضحايا قد يكونون جيراناً أو أصدقاء أو أقارب. ومع ذلك يحاول الصحفي أن يؤدي مهمته، أن يسأل، وأن يستمع، وأن يسجل، وأن يلتقط الصورة التي قد تصبح لاحقاً الوثيقة الوحيدة الباقية على ما حدث. إنه يقف في المسافة الفاصلة بين التعاطف والمسؤولية، ويحاول أن ينقل الحقيقة دون أن يفقد إحساسه بالإنسان الذي يقف أمام عدسته.
وفي غزة، لم يعد الصحفي يعمل وحده. غالباً ما أصبح فريق العمل نفسه جزءاً من شبكة دعم صغيرة، يتشارك أفرادها المعلومات، ويتبادلون الأخبار عن الطرق الأكثر أمناً، ويساعد بعضهم بعضاً في الوصول إلى المواقع، ويطمئنون على زملائهم عند انقطاع الاتصال. وفي بيئة يزداد فيها الخطر، تصبح الزمالة أكثر من علاقة مهنية؛ تصبح نوعاً من التضامن الإنساني. الصحفيون يعرفون أن سلامة أحدهم تعني شيئاً للجميع، وأن فقدان زميل لا يمثل خسارة شخصية فقط، بل خسارة لصوت كان يوثق جانباً من الحقيقة.
وقد حمل الصحفيون في غزة عبئاً نفسياً بالغاً. فالعمل المستمر وسط مشاهد الموت والدمار، ومتابعة أخبار الضحايا، والعيش تحت القصف، وفقدان الأحبة، كلها تجارب تترك آثاراً عميقة على الإنسان. الصحفي الذي يعود إلى مكان إقامته بعد يوم طويل قد لا يجد مساحة حقيقية للراحة، لأن القصف قد يستمر، ولأن الهاتف قد يحمل خبراً جديداً عن مقتل زميل أو قريب، ولأن الغد يحمل احتمالاً آخر للخطر. ومع ذلك، يجد كثير منهم أنفسهم مضطرين إلى الاستمرار، لأنهم يشعرون بأن التوقف يعني أن قصصاً كثيرة قد تختفي دون أن يعرف بها أحد.
ولعل أكثر ما يميز تجربة الصحفيين في غزة هو شعورهم بأنهم يوثقون التاريخ في لحظته الأكثر قسوة. فالتوثيق بالنسبة إليهم ليس مجرد عمل يومي، بل محاولة لمنع النسيان. الصورة التي يلتقطها الصحفي لطفل نازح، أو لشارع تحول إلى ركام، أو لمستشفى يستقبل الجرحى، قد تصبح في المستقبل جزءاً من ذاكرة شعب بأكمله. والكلمات التي يكتبها قد تكون شهادة على مرحلة لن يستطيع كثيرون روايتها بأنفسهم. لذلك، فإن الصحفي في غزة يجد نفسه أمام مسؤولية تتجاوز حدود الخبر العاجل؛ إنه يحاول أن يحفظ تفاصيل الحياة اليومية، من الخبز والماء والخوف والنزوح، إلى لحظات التضامن والأمل التي تظهر رغم كل شيء.
وسط هذا الألم، برزت جهود الصحفيين في غزة بوصفها واحدة من أهم أدوات نقل الواقع. لقد حاولوا الوصول إلى المناطق المتضررة، وإجراء المقابلات، وتصوير آثار الدمار، ونقل أصوات المدنيين، وتغطية المستشفيات ومراكز الإيواء، وتوثيق عمليات النزوح، وإبراز الاحتياجات الإنسانية. وفي كثير من الأحيان، كان الصحفي نفسه يعيش ظروفاً مشابهة للناس الذين يقابلهم، لكنه يواصل العمل من أجل أن تصل أصواتهم إلى خارج القطاع. كان يكتب عن النازحين وهو نازح، ويصور الدمار بينما منزله قد يكون قد تعرض للضرر، ويتحدث عن فقدان الآخرين وهو يحمل في داخله خوفاً على أسرته.
ولم يكن هذا الجهد سهلاً، إذ واجه الصحفيون تحديات تتعلق بالحصول على المعلومات والتحقق منها في بيئة مضطربة. ففي أوقات الحروب تنتشر الأخبار بسرعة، وتتداخل الشائعات مع الحقائق، ويصبح الوصول إلى المصادر أكثر صعوبة. لذلك كان على الصحفي أن يبذل جهداً إضافياً للتأكد من التفاصيل، وأن يقارن بين المصادر، وأن يتعامل بحذر مع الصور والمقاطع المنتشرة على وسائل التواصل الاجتماعي. وبينما يضغط الوقت من أجل نشر الخبر بسرعة، تظل مسؤولية الدقة قائمة، لأن الخطأ في تغطية حدث حساس قد يؤدي إلى تضليل الجمهور أو زيادة معاناة الناس.
ومع تطور وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح الصحفيون في غزة يعتمدون على أدوات بسيطة ومتاحة لتوصيل رسالتهم. الهاتف المحمول، الذي يستخدمه الناس عادة للتواصل، أصبح بالنسبة إلى الصحفي أداة تصوير وتسجيل وبث ونشر. وقد سمحت هذه الأدوات بإيصال المشاهد مباشرة إلى الجمهور، لكنها في الوقت نفسه جعلت الصحفي يعمل تحت ضغط مستمر، لأن الجمهور ينتظر الأخبار لحظة بلحظة، ولأن كل تأخير في النشر قد يعني فقدان فرصة نقل حدث مهم. ومع ذلك، فإن سرعة النشر لم تلغ الحاجة إلى المهنية؛ بل جعلت مسؤولية الصحفي أكبر في التمييز بين ما هو مؤكد وما هو غير مؤكد.
وفي كل قصة يرويها الصحفيون من غزة، هناك جانب إنساني لا يمكن تجاهله. فحين يكتب الصحفي عن عائلة فقدت منزلها، فهو لا ينقل فقط مكاناً مدمراً، بل ينقل حياة كانت موجودة في ذلك المنزل: صوراً معلقة على الجدران، ألعاب أطفال، ذكريات أعياد، كتباً، ملابس، وأشياء صغيرة كانت تمنح المكان معنى. وحين يصور طفلاً ينتظر الطعام، فهو لا يوثق لحظة عابرة، بل يضع أمام العالم صورة لجيل يعيش طفولته في ظروف استثنائية. وحين يتحدث مع أم فقدت أحد أبنائها، فإنه لا ينقل خبراً عن وفاة شخص فحسب، بل ينقل قصة إنسان ترك وراءه عائلة وذكريات وأحلاماً لم تكتمل.
ومن هنا تأتي أهمية الصحفيين في غزة؛ فهم لا ينقلون فقط ما يحدث، بل يمنحون الأحداث وجوهاً وأسماء وأصواتاً. إنهم يحاولون تحويل المأساة من أرقام مجردة إلى قصص بشرية يمكن للعالم أن يفهم من خلالها حجم المعاناة. وربما يكون هذا هو الدور الأهم للصحافة في أوقات الحرب: أن تذكّر الناس بأن وراء كل خبر إنساناً، وأن وراء كل صورة حياة، وأن وراء كل رقم قصة تستحق أن تُروى.
لكن جهود الصحفيين لم تخلُ من الثمن. فقد تعرض عدد من الصحفيين والعاملين في المجال الإعلامي للخطر، وفقد بعضهم حياتهم أثناء أداء عملهم، فيما أصيب آخرون أو اضطروا إلى النزوح أو العمل في ظروف شديدة القسوة. هذه الخسائر تركت فراغاً كبيراً في المشهد الإعلامي، لكنها في الوقت نفسه كشفت حجم المخاطر التي يتحملها العاملون في الصحافة من أجل الوصول إلى المعلومات ونقلها. إن فقدان صحفي لا يعني غياب شخص عن مكان عمله فحسب، بل يعني فقدان عين كانت ترى، وصوتاً كان يروي، وذاكرة كانت تسجل.
ورغم كل ذلك، بقيت الصحافة حاضرة في غزة. فكلما انقطعت الكهرباء، بحث الصحفيون عن بدائل. وكلما تعطلت الاتصالات، حاولوا إيجاد وسائل أخرى. وكلما اضطروا إلى النزوح، حملوا معهم أدواتهم. وكلما واجهوا الخوف، حاولوا أن يستمروا في العمل. لم يكن ذلك لأنهم لا يشعرون بالخطر، بل لأنهم كانوا يدركون أن ما يحدث يحتاج إلى من يوثقه. وفي هذا المعنى، أصبح العمل الصحفي بالنسبة إلى كثير منهم نوعاً من المقاومة المهنية والإنسانية، مقاومة النسيان والصمت، ومحاولة لإيصال صوت الناس الذين لا يملكون وسيلة أخرى للحديث إلى العالم.
لقد أثبتت تجربة الصحفيين في غزة أن الصحافة في زمن الحرب ليست مجرد مهنة، بل مسؤولية ثقيلة تتطلب شجاعة وصبراً وقدرة على الاستمرار. فالصحفي هناك لا يحمل كاميرته فقط، بل يحمل معه قصص الناس وذاكرتهم، ويعرف أن الصورة التي يلتقطها اليوم قد تكون غداً شاهداً على مرحلة تاريخية كاملة. وبين الخوف والإرهاق، وبين فقدان الأحبة والبحث عن الأمان، يواصل هؤلاء الصحفيون أداء مهمتهم، محاولين أن يجعلوا العالم يرى ويسمع ويفهم.
وفي النهاية، تبقى قصة الصحفيين في غزة جزءاً من قصة أكبر عن الإنسان في مواجهة الحرب. إنهم أشخاص يعيشون الألم نفسه الذي يعيش فيه مجتمعهم، لكنهم يحاولون في الوقت ذاته أن ينقلوا هذا الألم إلى الآخرين. قد تتغير الأدوات، وقد تتبدل العناوين، وقد تتوقف بعض الأخبار، لكن ما يوثقه الصحفيون يبقى شاهداً على زمن مرّ من هنا. وبينما يسعى العالم إلى فهم ما يحدث في غزة، تظل جهود الصحفيين واحدة من أهم النوافذ التي يمكن من خلالها رؤية تفاصيل الحياة اليومية، وسماع أصوات الناس، وفهم المعاناة بعيداً عن الأرقام المجردة. إنهم يعملون في واحدة من أصعب البيئات الصحفية في العالم، ويواجهون مخاطر هائلة، ومع ذلك يواصلون حمل رسالتهم، لأنهم يؤمنون بأن الحقيقة تحتاج دائماً إلى من يرويها، وأن ذاكرة الشعوب لا تُحفظ إلا حين يكون هناك من يكتب ويسجل ويشهد.

