تأتي علينا ذكرى النكبة هذا العام في واقعٍ شديدِ التعقيد، ولعلّه هو الأصعب والأشدّ ألماً ومرارةً على كلّ الصعد وفي كلّ المجالات. فما أشبه اليوم بالبارحة، حين هُجِّر الشعب الفلسطيني ظلماً وعدواناً عن أرضه، وهو ما زال إلى يومنا هذا يتعرض لذات الممارسات والسياسات الاحتلالية التي ترى في أصحاب الأرض عقبةً كأداءَ في وجه تحقيق حلم "إسرائيل الكبرى". هذا الحلم الذي لم يعد إرثاً تاريخياً مأمولاً، بل أصبح حديث القادة السياسيين، سواء في كيان الاحتلال الإسرائيلي أو من داعميه ورعاته من سياسيي الولايات المتحدة الأمريكية، الذين يؤمنون برؤيةٍ إنجيليةٍ صهيونيةٍ ترى في العلوّ الصهيوني إيذاناً بالخلاص.
ووفق هذه الأحلام والأوهام، يعمل الاحتلال الإسرائيلي على السيطرة على ما تبقّى من الأرض الفلسطينية، سواء في الضفة الغربية التي تلتهمها سياسة الضمّ والقضم، أو في غزة التي بات ما يزيد على 60% من أراضيها خلف الخطّين الأصفر والبرتقالي. أمّا عن القدس والداخل الفلسطيني، وما يتعرض الفلسطينيون فيهما من ممارساتٍ عدوانية، فحدّث ولا حرج.
وعلى صعوبة ما ذُكر، لا يقتصر الأمر على الشعب الفلسطيني؛ إذ إنّ سياسة الاحتلال الإسرائيلي التوسعية لا تقف عند حدود فلسطين التاريخية، فهي ترى أحقيةً مزعومةً في أراضي وخيرات دول المنطقة، سواء في سوريا ولبنان ومصر والأردن والسعودية وغيرها من الدول والبلدان. وما سبق ليس تمنياتٍ ولا أحلاماً، بل تصريحاتٌ وأقوالٌ جاءت على لسان جمعٍ من أبرز صانعي القرار في كيان الاحتلال، وهي خططٌ معلنةٌ تهدف إلى تحقيق الغلبة الصهيوأمريكية على المحورين السني والشيعي، كما يحلو لرئيس وزراء الاحتلال "نتنياهو" تسميتهما، وهو الذي لا يتوقف عن إشعال الحروب في المنطقة لتحقيق هذا الهدف المنشود.
إنّ غياب مشروعٍ فلسطينيٍّ وطنيٍّ جامع، واستمرار الانقسام، وعدم اجتماع كلّ الفلسطينيين على كلمةٍ سواء، يفاقم الأزمات ويزيد الواقع تعقيداً ومأساوية، ويتيح الفرصة للاحتلال الإسرائيلي للمضيّ قدماً في تنفيذ مشاريعه التوسعية، مستغلاً الواقع الإقليمي والدولي المرتبك بفعل تصرفات أحد أكثر رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية مزاجيةً ونرجسيةً.
إنّ النكبة التي أصابت الشعب الفلسطيني منذ ما يزيد على سبعة عقود يمكن أن تتكرر -لا سمح الله- في أماكن أخرى إن لم يستفق الجميع، فالاحتلال الإسرائيلي يجد الفرصة سانحةً في ظل الواقع الدولي الراهن وما أصابه من ضعفٍ ووهن، حين صمت العالم على استمرار حرب الإبادة الجماعية في غزة لما يزيد على العامين. لذلك، فإنّ واجب الحكومات العربية والإسلامية وشعوب المنطقة أن تكون متيقظةً لأهداف الاحتلال الإسرائيلي التوسعية، وأن تدرك الحقيقة المهمة، وهي أنّ الشعب الفلسطيني لا يدافع عن أرضه وتاريخه ومقدساته فحسب، بل هو صمّام الأمان وخط الدفاع الأول عن أمته وشعوبها، وهذا يتطلب تعزيز صموده على كلّ الصعد وفي كلّ المجالات.

