فلسطين أون لاين

كيف تحولت "التكية" من شريان حياة لأداة عقاب جماعي؟

ما يجري في ‎غزة على مدار الساعة لا يمكن اختزاله في جمل أو وصفه في كلمات. هنا مأساة إنسانية مكتملة الأركان. وهناك من لا يزال يتعامل مع هذا الواقع المأساوي على شكل "تريند" أو قصة إنسانية جالبة للتعاطف والدعم فقط، دون أدنى مسؤولية أخلاقية أو إنسانية.

مع الازدحام الشديد في خيام النزوح، وسط تصاعد درجات الحرارة، وغياب الغذاء وندرة المياه، وفقدان الرعاية الصحية، واستمرار الخروقات والقصف، وتفشي الأمراض الجلدية وانتشار القوارض والحشرات.

في وجود كل ذلك تتحول الحياة إلى دوامة من الأزمات المعقدة التي تعصف بالسكان وخاصة لدى الصغار والكبار والسيدات والمرضى والمصابين. وإذا أضفنا لذلك معدلات البطالة التي تخطت حاجز 80% وفق أحدث الإحصاءات الرسمية، واعتماد الجزء الأكبر من السكان وهم 1.9 مليون نازح يعتمدون بدرجات متفاوتة على المساعدات الغذائية والتكايا المجانية التي توفر وجبة طعام يومياً لهم من خلال عشرات المطابخ المحلية والمخابز، وأبرزها تلك التي تتبع منظمة المطبخ العالمي والذي كان يوفر ما بين 500 ألف إلى مليون وجبة في ذروة عمله.

إلا أنه وبينما تعد هذه الوجبات شريان حياة منقذا للأرواح في وجه غول الجوع والحرمان، قد طالعنا المطبخ العالمي بقراره الصادم تقليص عملياته في القطاع المحاصر، وإنهاء عقود عمل ما يزيد على 400 من المتعاقدين الشباب، مغلقاً معهم الكثير من المطابخ المحلية، وتاركاً مئات آلاف من النازحين يعانون سياسة التجويع الممنهجة، مع تقليص الاحتلال الإسرائيلي أعداد الشاحنات التي تدخل إلى القطاع، سواء المساعدات الإغاثية أو حتى للتجار والمنظمات الدولية.

استمرار هذا الواقع المأساوي، ينذر بكارثة إنسانية إن لم يتم تدارك الأمر، وهنا نحن نتحدث عن آلاف من النازحين أجبرتهم الحرب على ترك بيوتهم، وهم لا يملكون المال الكافي لشراء المواد الغذائية باهظة الثمن حتى لو توافرت، حتى أنه لا يتوفر لديهم وقود في ظل منع الاحتلال الإسرائيلي دخول الوقود وغاز الطهي إلا بكميات محدودة جداً وهو الآخر باهض الثمن، بل إن الكثير منهم لا يمتلك أدوات مطبخ أو حُللا وصحونا وأكوابا للشرب على بساطة هذه الأدوات المنزلية، مع تعنت الاحتلال الإسرائيلي وعدم سماحه لأصناف عديدة بالوصول للقطاع المحاصر، إلا بكميات محدودة جداً لا تفي بالاحتياجات المتزايدة.

هذا التقليص في الخدمات والذي انخفض في ذات المطبخ كمثال، حيث كان يعكف على توفير مليون وجبة يومياً فقد تقلص لما يقرب من 200 ألف وجبة فقط، ما سبق يهدد بعودة المجاعة وما يترتب عليها من انتشار لسوء التغذية، وزيادة المخاطر على الفئات الهشة "الأطفال والحوامل والمرضى وجرحى الحرب" بما يرقى لجريمة عقاب جماعي، ما يعزوه المطبخ العالمي وأمثاله من مقدمي الخدمة الإنسانية ويقدمونه من أسباب كتراجع التمويل وصعوبة إدخال المساعدات وارتفاع التكاليف التشغيلية، لا ينفصل عن واقع يُشدد فيه الحصار المفروض على قطاع غزة من الاحتلال الإسرائيلي.

أخيراً، الواقع المأساوي المتشكل بعد عامين من الإبادة الجماعية، جعل من تكيات الطعام المجانية خط الدفاع الأخير أمام المجاعة، وأي تقليص في خدماتها دون توفير بديل مناسب للسكان، يهدد الأمن الغذائي لمئات آلاف الأسر التي فقدت كل ما تملك، ولا سيما مع استمرار الخروقات والنزوح ونقص المساعدات الإنسانية.

المصدر / فلسطين أون لاين