فلسطين أون لاين

5.9 مليار دولار خسائر اقتصادية

من الركود إلى الانهيار.. مؤشرات اقتصادية ترسم واقعًا قاتمًا في غزة

...
خسائر بـ 5.9 مليار دولار وبطالة تتجاوز 80% في قطاع غزة (أرشيف)
غزة / رامي رمانة:

تتقاطع آراء ممثلي المؤسسات الاقتصادية والخبراء عند توصيف ما يجري في قطاع غزة بأنه تجاوز حدود الأزمات الاقتصادية التقليدية، ليدخل في نطاق "الانهيار الاقتصادي الشامل".

ويستند هذا التوصيف إلى الأرقام الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء، التي تشير إلى خسائر اقتصادية تُقدّر بنحو 5.9 مليار دولار، وارتفاع معدلات البطالة إلى أكثر من 80%.

ولا تعكس هذه المؤشرات مجرد تراجع في النشاط الاقتصادي، بل تدل على فقدان الاقتصاد لأسسه الهيكلية، وعلى رأسها القدرة الإنتاجية والاستمرارية.

ضربة قاسية لاقتصاد محدود

ويرى أمين سر اتحاد الصناعات وضاح بسيسو، أن حجم الخسائر المسجلة، سواء على مستوى الناتج المحلي أو الأصول، يمثل ضربة قاسية لاقتصاد محدود الموارد ومقيّد أصلاً، ما يعني فقدان نسبة كبيرة من قدرته على توليد الدخل.

ويؤكد بسيسو لصحيفة "فلسطين" أن تزامن هذه الخسائر مع بطالة تتجاوز 80% يشير إلى تعطّل شبه كامل لسوق العمل، حيث خرجت غالبية القوى العاملة من دائرة الإنتاج، ما دفع الاقتصاد نحو نمط يعتمد بشكل متزايد على المساعدات الإنسانية بدلاً من الإنتاج الحقيقي.

ويضيف أن التراجع الحاد في نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بنسبة بلغت 86% يعكس انهياراً عميقاً في مستوى المعيشة، ويضع شريحة واسعة من المواطنين في دائرة الفقر الحاد، بل ويهدد بتفاقم انعدام الأمن الغذائي.

كما يؤكد أن هذه المؤشرات مجتمعة تمثل دليلاً واضحاً على انتقال الاقتصاد من مرحلة الركود إلى الانكماش الحاد، وصولاً إلى فقدان القدرة على التعافي الذاتي.

ويلفت إلى أن تدمير المنشآت والبنية التحتية وتعطّل سلاسل الإمداد لا يعني فقط توقف الإنتاج حالياً، بل يمتد أثره إلى المستقبل، حيث يفقد الاقتصاد قدرته على استئناف النشاط حتى في حال توفر الطلب. ويشدد على أن غياب القاعدة الإنتاجية يجعل أي محاولة للتعافي مرهونة بإعادة بناء شاملة، وليس مجرد تحفيز اقتصادي تقليدي.

نزيف اقتصادي

الانهيار الكبير.jpeg
 

وفي السياق ذاته، يصف الخبير الاقتصادي خالد أبو عامر ما أشار إليه الإحصاء بشأن الخسائر اليومية، التي تتراوح بين 20 إلى 25 مليون دولار، بأنه "نزيف اقتصادي مستمر". ولا تقتصر هذه الخسائر على الأضرار المباشرة، بل تشمل أيضاً خسارة الفرص الإنتاجية المستقبلية، أو ما يُعرف اقتصادياً بكلفة الفرصة الضائعة.

ويؤكد أبو عامر لصحيفة "فلسطين" أن النزيف يفاقم من كلفة التعافي، ويجعل الفترة الزمنية اللازمة لإعادة بناء الاقتصاد أطول وأكثر تعقيداً.

ويحذر من أن حجم الدمار في الأصول والبنية التحتية، الذي قدّره البنك الدولي بنحو 18.5 مليار دولار، سيترك آثاراً طويلة الأمد، تشمل تراجعاً مستداماً في الإنتاجية، وارتفاع معدلات الفقر، وتآكل رأس المال البشري نتيجة البطالة الممتدة، إلى جانب صعوبة جذب الاستثمارات في بيئة تفتقر إلى الاستقرار والبنية الأساسية.

كما يرى أن استمرار هذه الظروف سيؤدي إلى تغيّر عميق في بنية الاقتصاد، بحيث يتحول من اقتصاد إنتاجي إلى اقتصاد قائم على المساعدات، ما يضعف قدرته على النمو مستقبلاً ويزيد من تبعيته للعوامل الخارجية.

ويؤكد أن التحول يحمل مخاطر استراتيجية، ليس فقط على المدى القصير، بل على مسار التنمية لسنوات طويلة قادمة.

خروج من مسار التنمية

وفي هذا الإطار، يربط المتحدثون بين هذه المؤشرات وتراجع فرص تحقيق أهداف التنمية المستدامة، معتبرين أن قطاع غزة خرج فعلياً من مسار التنمية، ودخل مرحلة "الطوارئ الاقتصادية"، حيث تتركز الجهود على الإغاثة وتأمين الاحتياجات الأساسية بدلاً من الاستثمار في النمو.

وشددوا على أن التعافي من هذه الأزمة لن يكون سريعاً أو تلقائياً، حتى في حال توقف العدوان، إذ يتطلب الأمر استثمارات ضخمة، واستقراراً سياسياً واقتصادياً طويل الأمد، إلى جانب إعادة بناء شاملة للبنية التحتية والمؤسسات الاقتصادية.

كما أشاروا إلى أن غياب هذه العوامل سيؤدي إلى إطالة أمد الأزمة وتعميق آثارها على المجتمع والاقتصاد.

المصدر / فلسطين أون لاين