فلسطين أون لاين

"بأي ذنب هُدمت؟".. الناجية هنادي سكيك توثق وجع غزة في كتاب جديد

...
جانب من حفل إشهار الكتاب
غزة/ نبيل سنونو:

"هو أرواح شهداء وحكايات جرحى وأرامل وأيتام وأمهات مكلومات..". من قلب الإبادة الجماعية، نطق وجع الناجية هنادي سكيك "أم حذيفة"، وانساب قلمها في توثيق تداعيات الحرب، بكتاب جديد عنونته بـ"بأي ذنب هدمت؟".

في حفل إشهار كتابها بغزة، بحضور لفيف من الكتاب والصحفيين والمثقفين والوجهاء ورجال الإصلاح والمخاتير والطلبة، وقفت الكاتبة لا كامرأة لم تنكسر بل كامرأة عرفت الانكسار ثم اختارت أن تقف بثبات ويقين من جديد، قائلة: "هذا الكتاب ليس حكاية بل هو وجع، وستجدون أنفسكم فيه".

ويستند كتاب "بأي ذنب هدمت؟"، إلى توثيق رسمي للأعداد والأرقام والأحداث المتعلقة بالشهداء والجرحى والأرامل والأيتام والأسرى وبحجم الهدم الكلي والجزئي للمباني والمنشآت والمساجد والمؤسسات.

كما ترد في الكتاب مصادر موثوقة ومعتمدة، ما يؤكد أن هذا العمل ليس رواية بل شهادة موثقة رسميا. وتؤكد هنادي، حرصها على أن يكون هذا التوثيق شاهدا صادقا يوازي الشهادات الحية.

أمام ناظرها في الحفل الذي رعته مكتبة سمير منصور، كان 22 شهيدا من عائلتها حاضرين بأرواحهم، لا بأجسادهم. تشهر كتابها كصرخة إنسانية، وشهادة حية، بينما تتحسس كلماتها آلامها وجراحها الخطرة التي أصيبت بها، ونجت منها لتكون صوتا لشعب لا لفرد فحسب.

في إشهار كتابها وهو الثاني لها، توصل هنادي شعورها "لمن هم بيننا، لمن يسكنون أرواحنا بالرغم من الغياب"، أولئك الذين خطفت آلة القتل الإسرائيلية زهرات أعمارهم: أمها، وزوجها، وابنها حذيفة وزوجته الحامل، وابنته، كما تتسارع نبضات قلبها حنينا لإخوانها الشهداء وزوجاتهم وأولادهم.

تقف هنادي بـ"صمود" لا لتحتفل -كما تقول- بنجاتها بل لتكون شاهدة نجت لتروي وتكتب الحكاية. "أنا لست بشاعرة ولا أدعي كتابة الشعر، أكتب كتاباتي لتوثيق الواقع الإنساني بحس صادق وبأسلوب سردي حي، أجمع بين الشهادات والتحليل".

وتخاطب الحاضرين: "ستمرون بين صفحاته وستشعرون بثقل اللحظات التي عاشها الجميع وكأنها تحدث الآن... الكتاب ليس لي وحدي بل لكل من عاش الألم ولم يجد ما يكتبه لاتساع الوجع"،

تريد هنادي للكتاب، أن يحفظ الحقيقة من النسيان ويقدم للقارئ صورة أقرب إلى الواقع إذ تمتزج الأرقام بالوجع وبحجم الإبادة الجماعية وتنبض الإحصائيات بإنسانيتها توثيقا دقيقا يؤرخ الألم بصدق.

تقول: "هذا الكتاب أيضا، هو بيوت ومساجد وصوامع ذكر فيها اسم الله هدمت فوق رؤوس ساكنيها ومن فيها فأصبحت ذاكرة عنيدة تأبى أن تنكسر وتنسى".

وفي لحظة يخيل للمرء أن الكتاب مفعم بالصوت والصورة لا بالقلم فقط، تضيف: "أقف اليوم لا لأعلن عن إصدار كتابي بل لأعلن عن وجع غزة فينا بكل ما فيها من فقد وصبر وصمود وتوثيق لكل ما مرت به ولم يتسع أبدا، فلو كتبنا كتبا وصحفا ومجلات لنروي ونحكي الوجع لما أحاطت بما فيها".

ولم تنس هنادي في غمرة فيض المشاعر، أن توصي كل من عانى هذه الحرب وذاق وجعها: الجريح الذي لم ينكسر والأسير الذي لم يطفأ صوته وأمهات الشهداء وزوجاتهم وذويهم والأيتام الذين كبروا على الألم، أن يكتبوا وألا يصمتوا.

تخاطبهم بقولها: "ارفعوا أصواتكم عاليا، دعوا العالم يسمع الحقيقة كما هي، وثقوا الوجع... كل دمعة، كل لحظة صمود وثقوها وكل ما مررتم به وثقوه لأن الذاكرة إذا كتبت لا تموت... قولوا للعالم نحن هنا باقون ثابتون لا ولم ننكسر ولن ننكسر".

تستدعي هنادي حزنها وقوتها في آن واحد، وكيف واجهت فاجعتها لإنجاز الكتاب: "لم أجد ما يواسي وجعي تركتني. الحرب مع الحرمان الذي يصرخ في قلبي. وسط هذا الفقد كله كان القرآن رفيقي الذي أمسك بيدي وملأ قلبي بصبر وسكينة". وتضيف: "كل آية كانت تقول لي (لست وحدك) فالله يرى دمعتك وبسمع مناجاتك أجد به ما يطبب قلبي (وبشر الصابرين)، فكنت أتنفس الصبر من خلال آيات القرآن وأداوي به غيري كمعالج نفسي نزلت بالميدان فيه نورا أمسك وأتمسك فيه".

وفي إهدائها للكتاب، صالت هنادي وجالت في طيف واسع ممن كان لهم بصمة في نجاتها، أو في إسنادها، وإصدار كتابها... من الأطباء، ومحفظة القرآن، والأقارب، وراعي الحفل، ومقدمته الصحفية هبة سكيك، ووزارات التنمية الاجتماعية والأوقاف والأشغال والصحة.

مداد من الصبر والثبات

WhatsApp Image 2026-05-09 at 2.03.36 PM.jpeg
 

ويجسد هذا الكتاب نقطة مضيئة في سيرة حياة الكاتبة، كما ترى عائلتها. وفي كلمة ألقاها د. محمد سكيك نيابة عن العائلة، يقول: إنها وثّقت في كتابها شيئًا من معاناتها ومعاناة أهلنا في غزة، وما حلّ بهم من مآسٍ تفطر القلوب.

ويضيف سكيك: "لقد خطّت هذا الكتاب لا بحبرٍ عادي، بل بمدادٍ من الصبر والثبات، بعد أن فقدت أمها وزوجها وابنها وزوجته وحفيدها، وأخويها وزوجاتهم وأبنائهم، ونجت هي من تحت الأنقاض شاهدةً على حجم الألم، وحاملةً رسالة الحق للعالم".

تلك لحظة ليست عادية، تتقاطع فيها الذاكرة مع الألم والكتابة مع البقاء، وتتكثف فيها الحكايات حتى تكاد تضيق بها اللغة وتتزاحم فيها الصور بين ما عشناه وما نحاول أن ننجو به إلى المعنى. والحديث هنا لرنا منصور في كلمة الناشر مكتبة سمير منصور.

وتضيف: "ذلك في زمن تختبر فيه المعاني الكبرى: معنى الوطن حين يصبح أكثر هشاشة وأكثر رسوخا في آن معا، ومعنى الإنسان حين يسلب منه كل شيء إلا قدرته على الصمود، ومعنى أن تظل الكلمة حية رغم كل ما يراد لها أن تصمت... أن تمحى.. أن تختزل في خبر عابر".

وترى أن الغاية هنا "لا أن نستعيد الألم فقط بل أن نمنحه صوتا... لا لنقف عند الفقد بل لنحوله إلى حضور لا يغيب ففي مثل هذه اللحظات تصبح الكتابة فعل نجاة ويغدو البقاء نفسه نصا مفتوحا على الأمل مهما ضاق الأفق وتكاتفت العتمة".

وتشير منصور، إلى أن كتاب "بأي ذنب هدمت؟" ليس مجرد نص بل شهادة حية على عصر مثقل بالخذلان وعلى قلب مثقل بالفقد. كتبت هنادي من عمق الألم من تجربة لم تكن خيارا بل قدرا قاسيا تجربة فقد العائلة تحت القصف، وأن يتحول البيت إلى ذاكرة وأن تصبح الحياة سؤالا مفتوحا بأي ذنب؟

لكن ما يدهش -تواصل حديثها- في هذه التجربة ليس الألم وحده بل القدرة على تحويله إلى كتابة، وإلى معنى وأثر، منبهة إلى أن الكاتبة لم تتوقف عند حدود الفاجعة بل تجاوزتها إلى فعل الإبداع. كتبت وكأنها تنتزع الحياة من بين الركام وتعيد تشكيلها على الورق و"هذا في ذاته انتصار".

وتتابع: هذا الكتاب يضعنا جميعا أمام مسؤولية أن نقرأ لا بدافع الفضول بل بدافع الشهادة. أن نصغي لا كمتفرجين بل كشركاء في الذاكرة وأن ندرك أن كل صفحة فيه هي جزء من حكاية أكبر... حكاية شعب لا يزال رغم كل شيء يكتب، وما دمنا نكتب فنحن لن نهزم وما دام فينا من يبدع فالحكاية مستمرة والوطن رغم الجراح لا يزال يروى.

أما هنادي، فتترك وصية لقراء كتابها: "ادخلوا فيه بقلوبكم لأن ما فيه لا يقرأ بالعقل وحده وبالرغم من كل الفقد والمعاناة والدمار نؤكد أن غزة ستبقى قوية بأهلها وأننا سنعيد البناء من جديد بإرادة لا تعرف الانكسار"

المصدر / فلسطين أون لاين