فلسطين أون لاين

طفلة بلا طرف صناعي ولا معيل

الناجية الوحيدة "سيلا".. في عمر الزهور "ذبلت" بالفقد والبتر

...
سيلا تحلم أن تمشي من جديد وتصبح طبيبة
غزة/ نبيل سنونو:

تحت الردم، انخنق حلمها وأنفاسها. "سيلا" (ستة أعوام) "فراشة العائلة" كانت تحوم بخفة روحها حول والديها وإخوتها، تداعبهم وتخفف عنهم قسوة الحرب، باتت في لحظة واحدة تكافح للبقاء.

ينهال عليها الركام بعد حزام ناري إسرائيلي، ويسحق براءتها هول المشهد، تشير إليها والدتها وهي تلتقط أنفاسها الأخيرة، لعل أحدا ينقذ طفلتها حتى وإن لم تنجُ هي.

من بين أنياب القصف، انتُزعت سيلا لتعاود الحياة وحدها بلا أسرتها، وبلا قدمها اليمنى... يحاصرها الحزن والفقد. لا فرصة تلوح أمامها للسفر لتركيب طرف صناعي، ولا معيل يتحسس احتياجاتها.

الثالث من ديسمبر/كانون الأول 2023، وفي خضم حرب الإبادة الجماعية، وقعت الفاجعة. تقول ياسمين الغفري، خالة سيلا أبو عقلين ووالدتها بالرضاعة: كانت سيلا وأهلها في بيتهم بالطابق الثالث من المبنى الذي يسكنونه بحي الزيتون جنوب شرق مدينة غزة، عندما تعرضت المنطقة لحزام ناري إسرائيلي.

WhatsApp Image 2026-05-12 at 12.35.50 PM (1).jpeg
 

تروي ياسمين لصحيفة "فلسطين": قصف البيت المقابل لهم، ومع قوة القصف والحزام الناري، انفجرت سيارة كانت أسفل منزل شقيقتي ابتسام، والدة سيلا، واندفعت السيارة إلى محل مخصص لـ"السمكرة"، ما ضاعف المأساة، حيث وصلت إليهم أسياخ ولحام، وحرقوا حرقا.

بقيت سيلا على قيد الحياة، تعلوها والدتها التي أشارت إليها، ولم يكن يظهر منها سوى إحدى قدميها، وسط النيران والردم.

في دقائق، استشهد والدا سيلا ابتسام ورافع أبو عقلين، وطفلتاهما "ليلي" (عامان ونصف العام) و"صبا" (خمسة أعوام)، وبقيت سيلا بين الحياة والموت.

هرع بسيلا إلى المستشفى الأهلي العربي المعمداني تحت النار، بينما ظلت جثامين والديها وأختيها تحت الأنقاض أربعة أيام، إلى حين تمكن أقرباؤهم من انتشالهم ومواراتهم في الثرى في مقبرة بحي التفاح شرق غزة.

WhatsApp Image 2026-05-12 at 12.35.55 PM (2).jpeg
 

تتنهد ياسمين كأنما أزاحت صخرة عن صدرها، قائلة: "مرتاحة أنه أختي صار الها قبر وشالوها من تحت الردم". ويفسر كلامها مأساة آلاف جثامين الشهداء بينهم أطفال لا تزال تحت الأنقاض في غزة، تعجز طواقم الدفاع المدني عن الوصول إليهم بسبب الحصار وضعف الإمكانات.

لكن سرعان ما اختنق صوت ياسمين، وهي تشير إلى سيلا التي تتكئ على عكازين تارة وتتنقل عبر كرسي متحرك تارة أخرى.

بعد أيام من المجزرة وعلى وقع انقطاع الاتصالات والإرسال، فجعت ياسمين بالنبأ، وأبلغت بنجاة سيلا مع إصابتها بحروق واحتمال بتر قدمها اليمنى.

تقول ياسمين: بعد الإصابة، تلقت سيلا العلاج لثلاثة أشهر. كانت في حالة يرثى لها. بتروا أصبعا من قدمها ثم أصابتها غرغرينا وصلت إلى الركبة حتى بترت القدم اليمنى.

WhatsApp Image 2026-05-12 at 12.35.53 PM (1).jpeg
 

كانت ياسمين تعارض عملية البتر على أمل ألا تلقى سيلا هذا المصير، لكنها استسلمت لقرار الأطباء.

"الحياة مأساوية عندها... قد ما تحكي ما بنقدر نعبر"، والحديث لياسمين، مشيرة إلى أن سيلا حاليا في رعاية جدتها لأمها، التي تقطن في شقة عتيقة مستأجرة وغير ملائمة للسكن بغزة، بعد أن فقدت منزلها بحي التفاح.

تحت شمس حارقة، كانت ياسمين تدفع بالكرسي المتحرك الخاص بسيلا، في مشوار عودتهما من مركز الأطراف الصناعية. لم تستطع الطفلة النطق لفترة تحت وطأة المعاناة.

في الفترة الأخيرة، باتت سيلا تسقط أرضا وتتألم عند ارتداء الملابس، وقد أبلغ الطبيب خالتها أنها بحاجة لعملية جراحية في قدمها المبتورة.

WhatsApp Image 2026-05-12 at 12.35.50 PM (3).jpeg
 

تقول ياسمين، إنها تتابع حاليا مع مركز الأطراف بغزة، وستخضع سيلا قريبا لفحص طبي لتحديد مدى الحاجة لتلك العملية.

في ساحة ضيقة أمام المنزل، التقطت سيلا بعضا من أنفاسها، لكنها ظلت عاجزة عن إزاحة همومها التي باتت رفيقة إجبارية لها.

تتنقل بواسطة عكازيها، وتجلس على كرسيها المتحرك، وهكذا تعيش تحت وطأة الألم، وتحاصرها ذكريات حياتها القصيرة مع أهلها.

تقول سيلا بكلمات تختلط بالدموع، إنها تتمنى أن تلعب مع أختيها، وأن تذهب معهما إلى أماكن الترفيه التي اعتدن عليها، لكنها تصطدم بواقع الفقد.

تسعى خالة سيلا حاليا إلى تمكينها من السفر لتركيب طرف صناعي، قائلة: "بطلب البنت تسافر عشان تركب طرف، وترجع لحياتها تاني".

تواجه سيلا تحديا إضافيا متمثلا بحاجتها إلى معيل يتكفل باحتياجاتها شهريا، في ظل انعدام مصادر الدخل لجدتها بعد استشهاد زوجها ومواجهتها مصاعب أيضا في تسديد إيجار الشقة، كما تقول ياسمين.

وتضيف: كان والد سيلا تاجر عقارات، يلبي لها كل طلباتها، كما كانت والدتها تعمل، لكنها اليوم بلا معيل.

وتحتاج سيلا أيضا إلى رسوم مدرسية تقدر بـ100 شيقل شهريا.

تتابع ياسمين: نريد أن يكون لسيلا مستقبل ومأوى لها تعيش فيه كباقي البنات. تتمنى أن تركب طرفا صناعيا، وأن تجد معيلا.

WhatsApp Image 2026-05-12 at 12.35.51 PM.jpeg
 

في لحظة يأس، تبدي سيلا تشاؤمها من أن تتحقق أمنيتها البسيطة، لكن خالتها تطمئنها: "لا، رح تكوني زي البنات وتنبسطي وتكبري وتعملي كل اللي نفسك فيه".

وسيلا تجسد واقع نحو 864 طفلا مبتورا بفعل حرب الإبادة، والمئات ممن فقدوا أطرافهم أو بصرهم أو سمعهم، كما أنها واحدة من 55.157 يتيما في غزة، وفق معطيات رسمية.

تعيش سيلا على "حافة الحياة"، تحمل معها حلم أن تصبح طبيبة، لكنها تختزل حلمها حاليا بالقول: "نفسي يصيرلي رِجل"

المصدر / فلسطين أون لاين