في تطورٍ جديد يسير عكس اتجاه خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإنهاء الحرب، تعتزم إدارته إغلاق مقر التنسيق المدني العسكري (CMCC)، المقام في "كريات جات"، بالداخل الفلسطيني المحتل، والمسؤول عن مراقبة تنفيذ بنود اتفاق وقف إطلاق النار المثقل بالخروقات الإسرائيلية في قطاع غزة.
هذا ما أوردته، أول من أمس، وكالة "رويترز" نقلاً عن مسؤولين أمريكيين، أكدوا أن هذه الخطوة تأتي بسبب تعثر خطط إدارة ترامب الذي يقود ما يعرف بمجلس السلام المُنبثق عنه مركز التنسيق هذا، بمشاركة قوات أمريكية ودولية.
وبينما نفى مسؤولون رسميون في "إسرائيل" هذا النبأ، نقلت القناة الثانية عشرة العبرية عن مسؤولين آخرين، أن المساعي الأمريكية لمراقبة وقف النار وتنسيق المساعدات تواجه عقبات غير مسبوقة، نتيجة استمرار سيطرة الاحتلال على مساحات إضافية غزة.
ولم تقتصر الخروقات الإسرائيلية على ذلك، بل إنها شهدت كثافة عالية منذ سريان اتفاق وقف النار، يوم 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، لتشمل القصف الجوي والمدفعي وفرض حصار مشدد، وعمليات نسف وتجريف لا تهدأ خلف ما يسمى "الخط الأصفر"، والذي يصادر جيش الاحتلال بواسطته على أكثر من نصف مساحة القطاع الساحلي، البالغة 365 كيلومترًا مربعًا.
وكانت قناة "كان" نقلت عن مصدر إسرائيلي، أن الإدارة الأمريكية تتحدث منذ أسابيع عن إمكانية إغلاق مقر التنسيق، في خطوة رأى محللون سياسيون وعسكريون، أنها -إن تحققت- ستأتي نتيجة للخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف النار، الذي توسطت فيه دول عربية وإسلامية، ورعته بشكل مباشر إدارة ترامب.
واقع جديد
وقال المختص بالشؤون الأمنية والعسكرية أحمد عبد الرحمن: إن "إغلاق مقر التنسيق يضع "إسرائيل" في موقف المسؤول عن إفشال خطة ترامب"؛ في إشارة إلى ما تعرف بـ"خطة العشرين"، التي على الرغم من أنها أوقفت الإبادة الشاملة في غزة، إلا أنها لم تنهِ الحرب، ولم تضع حدًا لخروقات الاحتلال.
وأكد عبد الرحمن في حديثهِ لصحيفة "فلسطين"، أن "إسرائيل" تُعدّ المستفيد الأكبر من وجود مقر التنسيق في ظل استمرار خروقاتها، مستغلة تعنتها وغضّ الأمريكيين والجهات الدولية المُراقبة الطرف عن انتهاكات الاحتلال وجرائمه.
وأشار إلى أن المراقبة الأمريكية من داخل مقر التنسيق بمشاركة ممثلين عسكريين لعدة دول، لم تخدم اتفاق وقف النار بالشكل المناسب، بل إن طائراتهم المُحلقة في سماء غزة قد تقدم معلومات استخبارية للاحتلال.
ونتيجة لذلك، ومع استمرار خروقات الاحتلال، لم يعد وجود مركز التنسيق لوحده مهدد بالإغلاق، بل إن اتفاق وقف النار برمته معرض للانهيار، وفق عبد الرحمن.
وأضاف، أن "إسرائيل" ومن خلال خروقاتها نجحت في تفريغ الاتفاق من مضمونه، وتحللت من التزاماتها، ما أدى إلى تدهور الأوضاع الإنسانية بغزة.
ويعتقد المختص بالشؤون الأمنية والعسكرية، أن مستقبل اتفاق وقف إطلاق النار، مرهون بتحركات إقليمية، ويرتبط نجاحه حال قُدر له ذلك، بصفقة قد يشهدها الإقليم تشمل قطاع غزة.
لكنه في ذات الوقت، حذّر من مساعي الاحتلال لفرض واقع جديد، وخلق منظومة متكاملة تخدم أجندته الأمنية والعسكرية في جميع أنحاء القطاع، وليس في المناطق الخاضعة لسيطرته فحسب.
ووفقًا لمعطيات رسمية، تجاوز عدد الخروقات التي اقترفها جيش الاحتلال منذ سريان اتفاق وقف النار، 2600 خرق، أودت بحياة أكثر من 820 مواطنًا، ما أشاع مخاوف شديدة من إمكانية استئناف حرب الإبادة، وبدد الثقة بقدرة الإدارة الأمريكية على لجم الاحتلال.
حرج أمريكي
وإزاء هذا، أكد الكاتب والمحلل السياسي خالد صادق، أن "إسرائيل" لا تتوفر لديها أي إرادة لتنفيذ اتفاق وقف النار، بدلالة الخروقات المستمرة وعدم التزامها ببنوده.
وفسّر صادق في حديثه لـ"فلسطين"، التصريحات المؤكدة لإمكانية تفكيك مقر التنسيق المدني العسكري، بأنها ناتجة عن شعور الإدارة الأمريكية بحرج كبير بعد فشلها في تنفيذ الاتفاق، واستمرار خروقات الاحتلال.
وأضاف، "في ظل تعنت الاحتلال، ترى الإدارة الأمريكية وجهات دولية تشاركها في مقر التنسيق، أن وجودهم أصبح شكليًا وليس له أي معنى في ظل استمرار التنكر الإسرائيلي، وهذا يدلل على وجود فجوة كبيرة بين "إسرائيل" وأمريكا".
وفسّر مساعي نتنياهو لإفشال وقف النار، لأنه لا يرى في الاتفاق ما يخدم أجندة حكومته اليمينية المتطرفة، وهو يبحث عن أي مبرر لنسفه بارتكاب الانتهاكات والتنصل من تنفيذه.
ورأى الكاتب والمحلل السياسي، أن تجدد العدوان العسكري على غزة يثبت أن مقر التنسيق يعطي شرعية للاحتلال لتنفيذ خروقاته، بينما تفشل الإدارة الأمريكية في وقفها وتتغاضى عنها.
وعدَّ صادق أن الإدارة الأمريكية تمثل شريكًا لـ"إسرائيل" في انتهاكاتها ضد الشعب الفلسطيني، وليست وسيطًا نزيهًا.

