على مدار ست ساعات من الألم والصراخ ونزيف الدم، لم يتحرك جنود جيش الاحتلال لإبعاد كلبهم العسكري وهو ينهش جسد محمد بهار (25 عامًا)، المصاب بطيف التوحد ومتلازمة داون، خلال اقتحام منزل عائلته في 3 يوليو/تموز 2024. بل فاقموا مأساته بإشهار أسلحتهم تجاهه وتجاه أفراد عائلته، الذين وقفوا عاجزين يشاهدون ما يحدث.
لم يكن محمد قادرًا على الدفاع عن نفسه أو استيعاب ما يجري حوله، إذ لا يتجاوز مستوى إدراكه العقلي عمر طفل في الثالثة. ومع ذلك، تُرك فريسة لكلب عسكري نهش صدره أولًا، قبل أن يعض يده اليسرى ويواصل تمزيقها لنحو 20 دقيقة، وسط صراخ واستغاثات لم تجد استجابة.
وبحسب رواية شقيقته سارة، كانت ملامح محمد كافية لإدراك حالته الصحية، سواء عبر الطائرة المسيّرة التي دخلت المنزل، أو الكاميرا المثبتة على الكلب، أو حتى الجنود الذين كانوا على مقربة منه، لكن ذلك لم يدفعهم للتدخل، بل تُرك ينزف ويتألم دون إسعاف.
تفاصيل الجريمة
في ساعات الظهيرة، كانت العائلة المكونة من نحو 17 فردًا داخل منزلها في حي الشجاعية شرق مدينة غزة، قبل أن تنقلب الأوضاع مع أصوات انفجارات واقتراب الدبابات. حاولوا الاحتماء داخل المنزل، متنقلين بين الغرف ودورات المياه هربًا من القصف.

ومع اقتحام الجنود للمنزل، أُطلقت طائرة مسيّرة صوّرت العائلة، قبل أن يندفع كلبان عسكريان نحوهم. حاولوا إبعادهما، لكن أحدهما هاجم محمد مباشرة وبدأ بنهش جسده.
تقول سارة: "صرخ من الألم، ثم عضّه الكلب في يده اليسرى وواصل نهشها حتى سالت الدماء. من شدة الوجع، وضع يده على رأس الكلب وقال: (سيبني حبيبي.. خلص)، وهي كلمات كان يرددها عندما يخاف".
ورغم صراخ العائلة وإبلاغ الجنود بأن محمد مصاب بمتلازمة داون، لم يتدخلوا، بل احتجزوا العائلة في الطابق السفلي، فيما جرى سحب محمد إلى غرفة أخرى وهو ينزف.
ساعات من النزيف والإهمال
طوال ثلاث ساعات، كانت سارة تسمع أنين شقيقها وطلبه للماء دون استجابة. وعندما حاولت إعطاءه ماء، منعها الجنود. لاحقًا، سمحوا للعائلة بالعودة إلى الشقة، لكن محمد لم يكن في مكانه، تاركًا خلفه آثار دماء كثيفة تشير إلى نزيف حاد.
تضيف: "كنت أسمعه يتألم، والجنود يدخلون ويخرجون من الغرفة، والدماء تنزف دون إسعاف. عند السادسة مساءً، دخل جندي ثم خرج وأشار لزميله، فعرفت أن أخي استشهد".
وخلال ذلك، كان الجنود – بحسب الشهادة – يرقصون ويغنون، غير آبهين بما يحدث، فيما كان محمد ينزف حتى فقد وعيه.
بعد ساعات، أُجبرت العائلة على مغادرة المنزل تحت التهديد، ومنعت من الوصول إلى محمد. وعند خروجهم، تعرضوا لإطلاق نار من الدبابات وطائرة مسيّرة، ما اضطرهم للاختباء في منازل مدمرة.
بقي مصير محمد مجهولًا حتى انسحاب قوات الاحتلال في 10 يوليو/تموز، حين تمكنت العائلة من العودة، ليعثروا عليه جثة هامدة في الغرفة ذاتها، وقد بدت على جسده آثار نهش واضحة، خصوصًا في ذراعه اليسرى، فيما غطت الدماء الأرض والجدران.
وبسبب استمرار الخطر، دُفن قرب المنزل، قبل أن يُنقل لاحقًا إلى مقبرة رسمية.
شهادة على جريمة
تقول شقيقته: "لم نعرف كيف قضى ساعاته الأخيرة، هل بقي جائعًا أو عطشانًا؟ آخر ما طلبه كان الماء ولم يُعطَ له".
وتضيف بألم: "كان يخاف من الأصوات العالية، ويحب الجلوس على كرسيه طوال الوقت. لم يعرف من الدنيا سوى عائلته وبعض التفاصيل البسيطة".

وتشير إلى أن الجنود كانوا يدركون حالته، لكنهم تعمدوا تركه يواجه مصيره، في مشهد تصفه بأنه "تعذيب متعمد".
وثّقت مؤسسات حقوقية هذه الواقعة، التي تُعد من أبشع الانتهاكات بحق المدنيين، خاصة من ذوي الإعاقة. ولا تزال عائلة محمد تطالب بمحاسبة المسؤولين عن مقتله، وفتح تحقيق دولي في الجريمة.
وتبقى قصة محمد بهار شاهدًا مؤلمًا على معاناة المدنيين في غزة، وعلى انتهاكات جسيمة تُرتكب بحق الفئات الأكثر ضعفًا، في ظل غياب المساءلة.

