شكّل لجوء الاحتلال إلى تصعيد وتيرة الاغتيالات التي طالت، مؤخرًا، عز الدين الحداد قائد أركان كتائب القسام، ونشطاء ومسؤولين آخرين في الجناح العسكري لحركة حماس، انتهاكًا فادحًا لاتفاق وقف إطلاق النار المثقل بالخروقات الإسرائيلية.
وبينما ذكرت "هيئة البث الإسرائيلية"، أن "تل أبيب" أبلغت واشنطن أنها تطارد الحداد، لم يصدر عن مجلس السلام الذي يقوده الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الراعي الأساسي لاتفاق وقف النار، أي تعقيب على الخرق الإسرائيلي الجديد، كالعادة، ما يعزز فرضية التنسيق بين الاحتلال وأمريكا بشأن ما تشهده غزة من تصعيد عسكري، وفق ما يرى مراقبون.
واغتيل الحداد في هجوم جوي شنّه جيش الاحتلال، الجمعة 15 مايو/ أيار 2026، أسفر عن ارتكاب مجزرة جديدة، في حين ذكرت وسائل إعلام إسرائيلية أن طائرات الاحتلال أسقطت 13 قنبلة لتنفيذ المهمة، مستهدفةً بها مبنى سكني وسيارة في مدينة غزة.
وفي موازاة التصعيد العسكري، تتزايد المخاوف من أن تؤدي سياسة الاغتيالات والاستهداف المباشر إلى تقويض أي جهود سياسية أو إنسانية تهدف إلى الحد من خروقات الاحتلال، وإغاثة منكوبي حرب الإبادة.
في هذا السياق، استطلعت صحيفة "فلسطين" آراء محللين سياسيين، حول أهداف ومساعي رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، من وراء تكثيف جرائم الاحتلال بغزة، وتوقيت اغتيال الحداد، التي عدَّها نتنياهو، ووزراء في حكومته المتطرفة، نجاحًا جديدًا، يطال أحد مهندسي عملية طوفان الأقصى، في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023.
لكن هذا الاغتيال في نظر مُحلليْن سياسييْن، لا يعدّ إنجازًا إستراتيجيًا لـ(إسرائيل).
"إنجازات شخصية"
المختص بالشأن الإسرائيلي شاكر شبات، رأى أن اغتيال الحداد يعكس عدم التزام الاحتلال باتفاق وقف النار، فيما يرسل بخروقاته للجميع أنه "فوق الاتفاقيات مدعومًا بموقف أمريكي وضعف الوسطاء وتواطؤ المندوب السامي في مجلس السلام نيكولاي ميلادينوف".
ورأى شبات لـ"فلسطين"، أن الاغتيال "جاء لاعتبارات أمنية وسياسية إسرائيلية، لاسيما أن نتنياهو يُوظف أي نجاح لجيشه وأجهزته الأمنية كنجاح شخصي، من أجل تسجيل نقاط في ملفه الأمني والسياسي في مواجهة معارضيه، لاسيما أن الانتخابات الإسرائيلية على الأبواب".
وحول تأثير الاغتيال على مفاوضات إنهاء الحرب، قال: "حركة حماس لا تُرهن المفاوضات باغتيال الحداد، لأنها تفاوض وعينها على الوضع الذي يعيشه المواطن الغزّي من قتل وتدمير وتجويع".
وأضاف شبات، "حماس تنطلق في المفاوضات على أساس وقف الحرب وانسحاب (إسرائيل) من المناطق التي تحتلها في غزة، في ظل سعيها لخلق واقع أمني جديد وتوسيع سيطرتها على أكثر من 60 بالمئة من مساحة القطاع، وتشكيل أداة ضغط بإدراج هذا الملف ضمن مفاوضات قد تستمر لسنوات".
وحول ما يسعى إليه نتنياهو، قال المحلل السياسي المختص بالشأن الإسرائيلي: "نتنياهو الذي صفعته غزه يوم 7 أكتوبر، ينتقم بممارسة الإبادة الجماعية للبشر والحجر، ويمارس عملية الانتقام في محاولة لتجميل وجهه السياسي والأمني، وهو الذي يتحمل المسؤولية عن الفشل والهزيمة".
واستدرك شبات: "نتنياهو مثقل بالمسؤولية عن 7 أكتوبر، وهي هزيمة تطارده سياسيًا وشعبيًا وتهدد مستقبله السياسي، وسلوكه ليس أكثر من محاولة لترميم موقعه في مواجهة المعارضة والغضب في مجتمع المستوطنين. نتنياهو لا يريد وقف الحرب في غزه ولا في أي جبهة أخرى، ويربط مستقبله السياسي باستمرار الحروب والصراعات".
ويشهد قطاع غزة تصاعدًا لوتيرة القصف الجوي والاغتيالات، واستهداف المدنيين في مناطق متفرقة، تزامنًا مع قضم المزيد من الأراضي خلف ما يعرف بـ"الخط الأصفر"، والذي يُسيطر جيش الاحتلال بواسطته على أكثر من 60 بالمئة من مساحته الإجمالية البالغة 365 كيلومترًا مربعًا.
اتفاقٌ عالق
ويعتقد الكاتب والمحلل السياسي عادل ياسين، أن موقف الفصائل الفلسطينية لن يتغير بعد اغتيال الحداد، لاسيما أن اتفاق وقف إطلاق النار وعلى الرغم من الخروقات الإسرائيلية، إلا أنه يتضمن بنودًا واضحة، حول ضرورة تطبيق المرحلة الأولى من الاتفاق والانتقال للمرحلة الثانية التي تشمل التفاوض على ملفات عديدة، من بينها نزع السلاح.
"إلا أن الواقع يُثبت أن حكومة نتنياهو تُبذل قصارى جهدها للتنصل من هذا الاتفاق، والتهرب من تطبيق بنوده خصوصًا فيما يتعلق بالانسحاب من غزة" وفق قول ياسين لـ"فلسطين".
النقطة الأكثر أهمية، وفق ما يرى ياسين، هو توقيت اغتيال الحداد والخروقات المتتالية، والتي تتزامن مع تقديم موعد الانتخابات، ما يعني أن نتنياهو يستغل سفك الدم الفلسطيني سواء كان قياديًا أو مواطنًا عاديًا لزيادة رصيده وتعزيز فرص فوزه في الانتخابات.
وأضاف، نتنياهو يستغل بدعم من حكومته، الاغتيالات والخروقات للتقرب أكثر من جمهور اليمين المتطرف وتلبية رغباته وإشباع شهوة القتل، مبينًا أن اغتيال الحداد قد يُشكل نجاحًا تكتيكيًا لكنه لا يعكس إنجازًا استراتيجيًا يمكن أن يُغير موقف فصائل المقاومة.
ونبّه ياسين إلى أن حكومة الاحتلال تسعى إلى تشجيع ودعم مليشيات العملاء، لتنفيذ عمليات تهدف إلى إضعاف حماس، وإجبارها على الخضوع للإملاءات الإسرائيلية، لكن التجارب التاريخية أثبتت أن جرائم الاغتيالات التي طالت قيادات من جميع الفصائل، لم تحقق الأمن للاحتلال، ولم تنه دوامة الصراع، بل كانت سببًا في تأجيجه.
واستدرك المحلل السياسي: "هذه الاغتيالات تثبت سيطرة العقلية العدوانية لحكومة اليمين في (إسرائيل)، وتدحض ادعاءاتها بأنها تبحث عن السلام، لأن السلام يتطلب منح الفلسطينيين حقوقهم والتوقف عن قتلهم وسرقة أراضيهم، ولن يتحقق إلا بإقامة دولية فلسطينية مستقلة"

