لم تعد المسافات المتبقية في قطاع غزة تُقاس بالكيلومترات، بل بخطوطٍ متحركة ترسمها وتثبّتها دبابات وجرافات جيش الاحتلال الإسرائيلي.
عند ما يُعرف بـ"الخط الأصفر"، وهو الشريط الذي يفصل مناطق واسعة من شمال وشرق وجنوب القطاع الساحلي عن بقية المدن، تتبدّد آمال آلاف النازحين بالعودة إلى منازلهم، مع استمرار وجود قوات جيش الاحتلال وعمليات النسف والتجريف التي لم تتوقف منذ أشهر.
في اليومين الماضيين، لم يكتفِ جيش الاحتلال بتثبيت وجوده خلف هذا الخط، بل دفع حدوده غربًا، عبر إزاحة مكعبات الإسمنت الصفراء التي تحدد مساره، موسّعًا مساحة السيطرة العسكرية إلى ما يتجاوز، وفق تقديرات محلية ودولية أكثر من نصف مساحة القطاع البالغة 365 كيلومترًا مربعًا.
هذا التمدد الجديد لم يكن مجرد إجراء ميداني، بل صفعة إضافية لآلاف العائلات التي كانت تعلّق آمالًا هشّة على عودة صارت مؤجلة بفعل الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار.
اقرأ أيضًا: حماس: تحريك الاحتلال "الخط الأصفر" انتهاكٌ خطير لوقف إطلاق النار
في أحد مخيمات النزوح في مدينة غزة، تجلس سهير صبح، النازحة من حي الشجاعية، أمام خيمتها المصنوعة من أقمشة مهترئة. تراقب أطفالها وهم يلهون في مساحة ضيقة، بينما تحاول إخفاء قلقها المتزايد.
قالت لـ "فلسطين أون لاين" بصوت خافت: "كل يوم كنا نقول بكرا بنرجع، اليوم صار الحكي بالعكس، كل يوم بيبعدونا أكثر".
تروي سهير كيف نزحت العائلة تحت القصف الذي رافق حرب الابادة، تاركة خلفها منزلًا مكوّنًا من ثلاث طبقات، حيث لم يعد النزوح خيارًا، بل ضرورة للبقاء.
"طلعنا وإحنا مفكرين إنها أيام، بس الأيام صارت شهور، والبيت صار ركام"، تضيف، وهي تشير إلى هاتفها الذي يحتفظ بصورة قديمة لمنزلها قبل الدمار.
اقرأ أيضًا: الأرض المحاصرة… كيف حوّل “الخط الأصفر” الزراعة إلى مهنة مستحيلة في غزة؟
زوجها، الذي كان يعمل ويوفر احتياجات أسرته قبل الحرب، فقد مصدر رزقه، وبات يعتمد على المساعدات الإنسانية التي تصل بشكل متقطع.
ومع توسّع "الخط الأصفر"، تلاشت حتى فكرة الاقتراب من المنطقة التي كانت العائلة تسكن فيها، حيث تشهد إطلاق نار مستمر، ويقتل كل من يحاول الوصول، بدم بارد.
"في ناس حاولت تقرب، بس الرصاص كان أسرع"، قالت، مؤكدة أن الخوف لم يعد من القصف فقط، بل من أي حركة قد تُفسَّر كاقتراب من المنطقة المحظورة.
في شمالي القطاع، وتحديدًا في بلدة بيت حانون، تتكرر الحكاية لكن بوجوه مختلفة.
عائلة خالد الكفارنة، التي نزحت إلى مدرسة في مدينة غزة تحوّلت إلى مركز إيواء، تعيش حالة من الانتظار المفتوح. قال لـ"فلسطين": "بيتنا هناك في بيت حانون، بس إحنا مش قادرين حتى نشوفه من بعيد".
يصف الرجل كيف تحوّلت المناطق المحيطة ببلدته إلى ساحات للعمليات العسكرية، مع استمرار أعمال النسف وإقامة مواقع لجيش الاحتلال.
أضاف، "كل يوم بنسمع صوت تفجيرات، كأنهم بيعيدوا تشكيل المكان من جديد"، مشيرًا إلى أن أي حديث عن العودة بات "غير واقعي" في ظل ما تشهده المناطق التي يسيطر عليها جيش الاحتلال بقوة النيران.

داخل مركز الايواء، تحاول زوجته الحفاظ على روتين يومي لأطفالها داخل الصفوف المزدحمة. لكنها تعترف بأن الخوف يرافقهم في كل لحظة.
يضيف خالد أيضًا، "الأطفال صاروا يسألوا: ليش ما بنرجع؟" لكن لا أجد جوابا أرد عليهم.
ويؤكد مراقبون أن توسّعة جيش الاحتلال أعماله العسكرية في المناطق التي يسيطر عليها، يفاقم من أزمة النزوح، ويُعقّد أي خطط للاستجابة الإنسانية. فمع تقلّص المساحات الآمنة، تزداد الكثافة السكانية في مناطق محدودة، ما يضغط على الخدمات الأساسية ويزيد من احتمالات انتشار الأمراض، والعجز في الإغاثة وتوفير الغذاء والإيواء.
ومع استمرار تنصل الاحتلال من استحقاقات اتفاق وقف النار، منذ دخوله حيز التنفيذ يوم 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، تبدو العودة حلمًا مؤجّلًا إلى أجل غير معلوم. ومع كل تحريك جديد لـ"الخط الأصفر" إلى جهة الغرب، يُعاد رسم خريطة المعاناة، وتُضاف مساحات جديدة إلى قائمة الأماكن المحظور على المواطنين الوصول إليها.

