فلسطين أون لاين

حوار خبيرة مصرية: تصعيد نتنياهو وخرائطه خطاب تعويضي للهروب من أزمات الداخل

...
رئيس حكومة الاحتلال المطلوب للعدالة الدولية بنيامين نتنياهو
غزة- القاهرة/ علي البطة

في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، يعيد رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو طرح خرائط تغيير "الشرق الأوسط" بوصفها مشروعا قيد التنفيذ، في وقت تتزايد فيه مؤشرات الإخفاق الميداني والسياسي، خاصة في المواجهة مع إيران، وتتعقد فيه حساباته الداخلية مع اقتراب استحقاقات انتخابات برلمان الاحتلال "الكنيست".

هذا الخطاب لا يمكن قراءته بمعزل عن سياقين متداخلين، الأول يتعلق بمحاولة ترميم صورة "إسرائيل" التي اهتزت بفعل محدودية النتائج العسكرية في إيران، والثاني يرتبط بالحاجة الملحة للبقاء السياسي في ظل أزمات قضائية وضغوط داخلية متصاعدة.

وترى الدكتورة رانيا فوزي، المتخصصة في تحليل الخطاب الإعلامي الإسرائيلية، أن عودة نتنياهو المتكررة للحديث عن خرائط التغيير تعكس في جوهرها محاولة للهروب إلى الأمام، وتعويض فجوة واضحة بين الطموح المعلن والواقع الفعلي. فالمشهد وفق تقديرها لا يعكس حالة صعود بقدر ما يكشف عن ارتباك استراتيجي يتم تغليفه بخطاب القوة.

442579.jpg
د. رانيا فوزي، المتخصصة في تحليل الخطاب الإعلامي الإسرائيلي

وتوضح الخبيرة المصرية في مقابلة مع "فلسطين أون لاين"، أن هذه الخرائط (عرضها نتنياهو السبت الماضي) التي يتم الترويج لها ليست مجرد أدوات سياسية خارجية، بل تحمل رسائل موجهة بالأساس إلى الداخل الإسرائيلي، حيث يسعى نتنياهو إلى إعادة إنتاج صورة القائد القادر على إعادة تشكيل الإقليم، حتى في ظل تراجع قدرته على تحقيق إنجازات حاسمة.

خطاب التعويض بعد الإخفاق

وتؤكد فوزي أن الإصرار على عرض خرائط "إسرائيل الكبرى" أو إعادة تشكيل المنطقة يأتي في سياق تعويض نفسي وسياسي عن الفشل في تحقيق أهداف مركزية، خاصة فيما يتعلق بإيران. فالمواجهة التي كانت تهدف إلى كسر التوازن الاستراتيجي لم تنجح في تحقيق غاياتها، بل كشفت حدود القوة الإسرائيلية.

وتشير إلى أن هذا الفشل لا يقتصر على الجانب العسكري، بل يمتد إلى عجز في فرض معادلات سياسية جديدة في الإقليم. فبدلا من تغيير سلوك الخصوم، ساهمت المواجهات في تثبيت معادلات ردع متبادلة، وهو ما يتناقض مع الخطاب الإسرائيلي الذي يروج لفكرة الحسم والسيطرة.

وترى أن نتنياهو يوظف هذه الخرائط كأداة دعائية داخلية، لإعادة ترميم الثقة لدى الجمهور الإسرائيلي، خاصة في ظل تصاعد الشعور بالقلق الأمني. فإظهار مشروع توسعي كبير يمنح انطباعا بالقوة، حتى وإن كان بعيدا عن إمكانية التنفيذ الواقعي.

وتضيف أن العوامل البنيوية، مثل ضيق الجغرافيا وغياب العمق الاستراتيجي، تفرض قيودا حقيقية على أي مشروع توسعي. وبالتالي، فإن الحديث الإسرائيلي عن فرض أمر واقع على عدة جبهات في آن واحد يظل أقرب إلى الخطاب الأيديولوجي منه إلى خطة قابلة للتحقق.

وتلفت فوزي إلى أن أحد أبرز تداعيات الإخفاق في تحقيق اختراق حاسم ضد إيران هو إعادة تشكيل العلاقات الإقليمية بصورة معاكسة للتوقعات الإسرائيلية. فبدلا من تعزيز التحالفات الإسرائيلية مع دول المنطقة، قد يدفع هذا الفشل دولا خليجية إلى مراجعة حساباتها والانفتاح أكثر على طهران.

اقرأ أيضًا: نتنياهو يسعى لنسف معادلات "طوفان الأقصى" عبر التصعيد وفتح الجبهات

وترى أن هذا التقارب المحتمل لا يأتي نتيجة حسابات تتعلق بتقليل المخاطر وتجنب الانخراط في صراعات مفتوحة غير مضمونة النتائج. وهو ما يمثل ضربة غير مباشرة للاستراتيجية الإسرائيلية التي راهنت على عزل إيران إقليميا.

وتؤكد أن استمرار التصعيد الإسرائيلي ضد طهران قد يكون هدفه الأساسي تعطيل هذا المسار التقاربي، من خلال إبقاء التوتر في مستويات مرتفعة، وإعادة إنتاج خطاب "التهديد الوجودي" الذي يدفع نحو الاصطفاف بدل التهدئة.

لكنها تشير إلى أن هذا النهج قد يفقد فعاليته مع مرور الوقت، خاصة إذا أدركت الدول الإقليمية أن كلفة التصعيد تفوق مكاسبه، وعندها قد يتحول الضغط الإسرائيلي إلى عامل محفز لمزيد من التقارب، لا العكس.

الحرب كأداة انتخابية

وتربط الخبيرة المصرية بشكل واضح بين التصعيد العسكري الإسرائيلي والاعتبارات السياسية الداخلية، خاصة مع اقتراب انتخابات الكنيست، فنتنياهو الذي يواجه ملفات فساد معقدة، يدرك أن مستقبله السياسي بات مرتبطا بقدرته على إعادة تشكيل أولويات الناخب الإسرائيلي.

وتوضح أن تصدير الأزمات الأمنية إلى الواجهة يساهم في تهميش القضايا الإسرائيلي الداخلية، ويعيد توجيه النقاش العام نحو مخاطر تتعلق بالأمن القومي الإسرائيلي، وهو المجال الذي يجيد نتنياهو اللعب فيه. وبذلك، تتحول الحرب إلى أداة لإعادة إنتاج الشرعية السياسية.

وترى أن استمرار حالة التوتر يمنح نتنياهو مساحة أوسع للمناورة، ويقلل من فرص مساءلته، سواء سياسيا أو قضائيا. كما أنه يعزز من تماسك قاعدته الانتخابية، خاصة داخل التيار اليميني المتشدد. ومع ذلك، تشير إلى أن هذه الاستراتيجية ليست بلا مخاطر، إذ قد تؤدي إلى إنهاك الإسرائيليين، وخلق حالة من التململ الداخلي، خاصة إذا لم تقترن بإنجازات ملموسة تعزز من مصداقية هذا الخطاب.

تعدد الجبهات وصرف الانتباه

وتؤكد فوزي أن فتح جبهات متعددة، من غزة إلى لبنان وسوريا، وصولا إلى التهديدات المتكررة لإيران، يعكس استراتيجية واضحة لصرف الانتباه الدولي عن القضية الفلسطينية وخصوصا عن جرائم الإبادة الجماعية في غزة، ومحاولة إخراجها من صدارة الاهتمام العالمي.

اقرأ أيضًا: محلِّلون: خروقات الاحتلال تعكس رغبة نتنياهو في إفشال اتِّفاق وقف النَّار

وترى أن هذا التوسع في مسرح العمليات يهدف أيضا إلى تشتيت الخصوم، ومنع تشكل جبهة موحدة قادرة على الضغط على إسرائيل. لكنه في الوقت نفسه يزيد من تعقيد المشهد، ويرفع من احتمالات الانزلاق إلى مواجهة أوسع.

وتضيف أن الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، في دول المنطقة، قد تكون محاولة لفرض وقائع جزئية على الأرض، حتى وإن لم تصل إلى مستوى السيطرة الكاملة، وذلك في إطار سياسة "الأمر الواقع التدريجي".

لكنها تحذر من أن هذه السياسة قد ترتد عكسيا على كيان الاحتلال الإسرائيلي، إذ ان تعدد الجبهات قد يؤدي إلى فقدان السيطرة، خاصة في ظل توازنات إقليمية هشة، وقدرات متزايدة لدى أطراف غير تقليدية.

في المحصلة، ترى فوزي أن نتنياهو يتحرك ضمن معادلة ضيقة، تحكمها اعتبارات البقاء السياسي أكثر من الرؤية الاستراتيجية طويلة المدى. فالتصعيد، في جوهره، ليس تعبيرا عن قوة بقدر ما هو محاولة لإدارة أزمة مركبة، في ظل رفض منحه عفوا رسميا ومجتمعيا عن قضايا الفساد التي تلاحقه.

المصدر / فلسطين أون لاين