فلسطين أون لاين

يُسيِّس العدالة الدولية

خبيرة: محاولات السلطة للتأثير في دعوى جنوب إفريقيا "عبث قانوني"

...
تحذيرات من تحركات تقودها السلطة في رام الله للتأثير في مسار الدعوى المرفوعة من جنوب إفريقيا ضد "إسرائيل" أمام محكمة العدل الدولية
رام الله- باريس/ خاص فلسطين:
  • ربط الدعوى بالمقايضات المالية والسياسية يكشف نهج السلطة ويحول مسار الإبادة أمام "العدل الدولية" إلى ورقة تفاوض
  • سوابق تراجع السلطة عن المسارات الحقوقية أضعفت ثقة المجتمع الدولي بجدية المساءلة القانونية

حذرت خبيرة عربية في القانون الدولي، من تحركات تقودها السلطة في رام الله للتأثير في مسار الدعوى المرفوعة من جنوب إفريقيا ضد "إسرائيل" أمام محكمة العدل الدولية، والمتعلقة باتهامات بارتكاب جريمة الإبادة الجماعية في قطاع غزة، معتبرة أن هذه المساعي تعكس توظيفا سياسيا لمسار قانوني بالغ الحساسية.

ومؤخرا نشر موقع "المسار" القريب من الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، نقلا عن موقع "أوروبا بالعربي"، عن تحركات تقودها السلطة في رام الله لإقناع جنوب إفريقيا بسحب دعواها أمام محكمة العدل الدولية ضد "إسرائيل"، والمتعلقة باتهامها بارتكاب جريمة الإبادة الجماعية في قطاع غزة. وتأتي هذه التحركات في سياق تفاهمات غير معلنة تربط بين المسار القانوني الدولي وملفات مالية حساسة، أبرزها الإفراج عن أموال المقاصة المحتجزة لدى الاحتلال الإسرائيلي.

مقايضات مشبوهة

وتشير التفاصيل إلى أن هذه المساعي لا تقف عند حدود الملف القانوني، بل تمتد إلى ترتيبات داخلية في بنية الحكم الفلسطيني، إذ تربط المصادر بين هذه التحركات ومحاولات تمهيد الطريق أمام صعود ياسر عباس نجل رئيس السلطة إلى مواقع قيادية، في مشهد يثير انتقادات حول تداخل القرار السياسي بالمصالح العائلية واستخدام الملفات الدولية كورقة تفاوض.

وتؤكد أستاذ القانون والسياسة في جامعات باريس، د. لينا الطبال، أن الحديث عن قدرة السلطة على التأثير في سحب دعوى مرفوعة أمام محكمة العدل الدولية يفتقر لأي أساس قانوني، مشددة على أن الدعوى هي نزاع بين دولتين فقط: جنوب أفريقيا و"إسرائيل"، ولا يملك أي طرف ثالث صلاحية التدخل في مسارها الإجرائي.

وتوضح الطبال في مقابلة مع صحيفة "فلسطين" طبيعة الدعوى الدولية، مشيرة إلى أن الدعوى المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل تتعلق باتهامات بارتكاب جريمة الإبادة الجماعية في قطاع غزة، استنادا إلى اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948، التي تلزم الدول الأطراف بمنع هذه الجريمة ومعاقبة مرتكبيها، وتمنح محكمة العدل الدولية اختصاص النظر في النزاعات بين الدول.

وتؤكد الخبير القانونية أن السلطة في رام الله لا تمتلك أي صلاحية قانونية للتأثير على الدعوى أو سحبها، وأن أقصى ما يمكن أن تمارسه هو ضغط سياسي أو دبلوماسي، لا يترجم إلى أثر داخل إجراءات المحكمة.

وتفصل الطبال بين القانون والسياسة، موضحة أن الخلط بين المجالين يخلق تصورا مضللا بأن العدالة الدولية قابلة للتفاوض أو المقايضة، بينما الواقع القانوني يفرض قواعد صارمة لا تخضع للضغوط السياسية.

وترى أن تصوير السلطة كطرف قادر على التحكم في مسار دعوى دولية يعكس إما سوء فهم قانوني أو محاولة لإعادة إنتاج النفوذ السياسي في ساحة قضائية مستقلة.

لينة.jpeg
د. لينة الطبال

تراجع الثقة الدولية

وتؤكد أن وقف أو سحب الدعوى من المحكمة الدولية لا يتم إلا بقرار رسمي من الدولة المدعية نفسها، أي جنوب أفريقيا، وفق قواعد محكمة العدل الدولية، وبإجراء مكتوب ومعلن أمام المحكمة. محذرة من أن تداول روايات غير دقيقة حول "سحب الدعوى" يخلق وهما سياسيا يضعف ثقة الرأي العام الدولي بالمسارات القانونية الدولية ويشوه طبيعتها.

وتوضح أنه حتى في حال انسحاب جنوب أفريقيا، فإن ذلك لا يعني نهاية المسار القانوني، إذ يمكن لدول أخرى رفع دعاوى جديدة استنادا إلى اتفاقية منع الإبادة الجماعية. مشيرة إلى أن تعدد الدول المتدخلة أو الداعمة للمسار القضائي يجعل القضية تتجاوز حدود دولة واحدة، ويمنحها استمرارية قانونية حتى في حال تغير مواقف بعض الأطراف.

وتنتقد الطبال أداء السلطة، وتصفه بالمتردد، حيث يتم التعامل مع القانون الدولي من رام الله كأداة ضغط سياسية مؤقتة بدل كونه مسارا استراتيجيا طويل الأمد لتحقيق العدالة.

وترى أن الإشكال الأساسي لا يكمن في غياب الأدوات القانونية، بل في غياب قرار سياسي فلسطيني واضح بتفعيلها بشكل كامل ومستمر. مشيرة إلى أن التعقيدات القانونية في إثبات جرائم الإبادة تتداخل مع ضغوط سياسية تمارسها دول كبرى مثل الولايات المتحدة الأمريكية، ما يؤدي إلى بطء طبيعي في المسار القضائي الدولي.

وتستحضر الطبال سابقة سحب تقرير غولدستون عام 2010 مقابل منح ترخيص للشركة الوطنية للاتصالات التي يملكها عدد من أقطاب السلطة، وتعتبر أن التراجع عن دعم التقرير في حينه شكل ضربة لمصداقية المسار الفلسطيني في العدالة الدولية، وأظهر قابلية القرارات للتأثر بالضغوط السياسية.

وتربط الطبال الماضي بالحاضر، مؤكدة أن تلك السابقة لا تزال تؤثر على ثقة المنظمات الحقوقية والدولية في جدية الالتزام من السلطة الفلسطينية بمسارات المساءلة على مختلف المستويات.

وتصف العلاقة السلبية للسلطة بالمنظمات الحقوقية المحلية، مشيرة إلى أنها علاقة معقدة تجمع بين التعاون والتوتر، بسبب اختلاف أولويات العمل الحقوقي الفلسطيني عن الحسابات السياسية الرسمية للسلطة.

وتؤكد أن التضييق المالي والسياسي من الاحتلال الإسرائيلي وواشنطن، إلى جانب حملات التشويه، يحد من قدرة هذه المؤسسات على توثيق انتهاكات الاحتلال في الضفة الغربية والقدس وغزة بشكل فعال.

وتشدد الطبال على أهمية التوثيق القانوني، لافتة أن العدالة الدولية تعتمد على الأدلة الموثقة لا على الخطابات السياسية، وأن إضعاف هذه البنية يضعف فرص المساءلة للاحتلال الإسرائيلي.

وتحذر من استمرار النهج الحالي للسلطة، مؤكدة أن التردد السياسي الفلسطيني واستخدام القانون كأداة تفاوض مع الاحتلال قد يؤدي إلى إفراغ المسارات الدولية من مضمونها الحقيقي.

وتعتقد الطبال أن الجدل القائم يعكس أزمة في النهج بين السياسة والقانون، ويطرح سؤالا مفتوحا حول مدى استعداد قيادة السلطة لخوض معركة العدالة الدولية حتى نهايتها، أم الاكتفاء بإدارتها ضمن حسابات سياسية ضيقة؟

المصدر / فلسطين أون لاين