لم تستسغ حكومة الاحتلال المتطرفة اتفاق وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة بعد 40 يومًا من المواجهة العسكرية، إذ اعتبر رئيسها بنيامين نتنياهو هذا الاتفاق بمنزلة هزيمة إسرائيلية أمام محور المقاومة، وعجز عن إعادة تشكيل الشرق الأوسط وفق تصوراته.
ورأى مراقبون سياسيون أن العدوان الإسرائيلي العنيف على لبنان، بعد ساعات من دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ بين طهران وواشنطن، يعكس أزمة داخلية يواجهها نتنياهو، الذي فشل في تسويق الاتفاق للجمهور الإسرائيلي وللأحزاب اليمينية المتطرفة.
وبدأ الاتفاق المؤقت بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران فجر الأربعاء، لمدة أسبوعين، على أن يمهّد لمفاوضات تنهي الحرب التي اندلعت في 28 فبراير/شباط الماضي، فيما أشارت تصريحات أمريكية وإيرانية وباكستانية إلى أن الهدنة تشمل لبنان.
إلا أن غارات إسرائيلية، وُصفت بأنها الأعنف منذ عام 1982، استهدفت مناطق واسعة في لبنان، وأسفرت عن استشهاد أكثر من 200 مواطن، وإصابة ما يزيد على 1000 آخرين.
فصل الجبهات
وصف المحلل السياسي أحمد الحيلة القصف الإسرائيلي على لبنان بأنه "جنون إسرائيلي" ودليل على حالة احتقان وغضب داخلي، نتيجة فشل إسرائيل في تحقيق أهدافها قبل وقف إطلاق النار.

المحلل السياسي، أحمد الحيلة
وأكد الحيلة أن هذا الانتهاك يمثل محاولة للفصل بين الجبهتين الإيرانية واللبنانية، عبر فرض سياسة الأمر الواقع، ودفع حزب الله نحو الرد، بما يؤدي إلى تعطيل مسار المفاوضات المرتقبة بين طهران وواشنطن بوساطة دولية.
وأضاف أن السلوك الإسرائيلي متوقع في ظل الإخفاقات المتتالية، وعجز الحكومة المتطرفة عن فرض رؤيتها بالقوة، محذرًا من أن هشاشة وقف إطلاق النار ستتفاقم إذا لم تمارس واشنطن ضغطًا حقيقيًا على تل أبيب لوقف القصف.
وبحسب رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، فإن الولايات المتحدة وإسرائيل انتهكتا ثلاثة بنود أساسية من مقترح اتفاق وقف إطلاق النار، قبيل انطلاق المفاوضات المقررة في باكستان.
وأوضح، في منشور عبر منصة "إكس"، أن الانتهاكات شملت عدم الالتزام بإعلان وقف إطلاق نار شامل، إضافة إلى خرق الأجواء الإيرانية عبر طائرة مسيّرة فوق مدينة "لار" بمحافظة فارس.
ورأى الحيلة أن هذا التصعيد يضع إيران وحزب الله أمام خيارين: إما الضغط على واشنطن لإلزام إسرائيل بوقف القصف، وهو احتمال ضعيف، أو الرد العسكري المباشر لردعها، ما قد يؤدي إلى انهيار مسار المفاوضات وعودة التصعيد، لكنه قد يفرض معادلات ردع جديدة.
"طوفان الأقصى" ومعادلة الجبهات
من جهته، أكد المحلل السياسي د. علي أبو رزق أن العدوان الإسرائيلي على لبنان، رغم وجود بند في اتفاق وقف إطلاق النار ينص على وقف الحرب في جميع الجبهات (إيران، لبنان، العراق، اليمن)، يعكس فشل إسرائيل في تحقيق أهدافها.

المحلل السياسي علي أبو رزق
وأشار إلى أن هذا البند يثبت وجود محور مقاومة متعدد الجبهات، وهي الفكرة التي سعت إسرائيل إلى تقويضها خلال السنوات الماضية.
وأضاف أن ذلك يعزز إحدى فرضيات "طوفان الأقصى"، والمتمثلة في إمكانية اندلاع حرب متزامنة على عدة جبهات، ويفنّد في الوقت ذاته مزاعم "النصر المطلق" أو "الحاسم" التي يروج لها نتنياهو.
ولفت أبو رزق إلى أن نتنياهو يسعى لإطالة أمد الحروب هروبًا من أزماته السياسية الداخلية، وخشية تفكك حكومته أو خسارته في أي انتخابات مقبلة.
وعلى الصعيد اللبناني، أوضح أن وقف إطلاق النار قد يمنح حزب الله فرصة لاستعادة حضوره السياسي بشكل أقوى داخليًا وإقليميًا.
كما وصف الصمود الإيراني خلال المواجهة بـ"المذهل"، معتبرًا أنه منح طهران أوراق قوة جديدة، لكنه شدد على ضرورة عدم ترك الساحة اللبنانية في مواجهة منفردة.
هروب إسرائيلي وتصعيد مفتوح
بدوره، رأى الخبير العسكري حسن جوني أن الهجمات الإسرائيلية على لبنان لا تستهدف أهدافًا عسكرية بقدر ما تمثل قصفًا واسعًا لمناطق سكنية وتجارية ومدنية.

الخبير العسكري، حسن جوني
وأكد أن هذا التصعيد يعكس حالة غضب وانتقام إسرائيلي من اتفاق الهدنة بين واشنطن وطهران، في ظل شعور متزايد بخيبة الأمل داخل (إسرائيل).
وأشار إلى أن نتنياهو يسعى أيضًا إلى تعميق الانقسامات الداخلية في لبنان من خلال توسيع دائرة الاستهدافات.
وشدد جوني على أن إيران لن تقبل بتجزئة اتفاق وقف إطلاق النار، أو بعزل الساحة اللبنانية عن بنوده، محذرًا من أن استمرار هذا النهج قد يدفع نحو تصعيد إقليمي أوسع.

