فلسطين أون لاين

تقرير عشية يوم الأسير الفلسطيني… أمٌّ تبحث عن أثر ابنها بين الوجوه وخيط أمل لا ينطفئ

...
ختام، والدة الأسير محمد منية
غزة/ جمال غيث

بعينين تائهتين وقلبٍ مثقل بالانتظار، وقفت ختام البحراوي أمام مقر اللجنة الدولية للصليب الأحمر في غزة، تتفحّص الوجوه لعلّ ملامح أحدهم تقودها إلى خبرٍ عن ابنها الغائب. لم تكن تبحث عن كثير… مجرد إشارة، أو كلمة، أو يقينٍ يبدّد هذا الغياب الطويل.

في تلك اللحظة، اقترب منها رجل بهدوء وناداها باسمها. سألته بدهشة: "من أنت؟"، فأجاب بصوتٍ مثقل بالحزن: "التقيتُ ابنكِ في السجن". هنا، تحوّل المشهد من لقاء عابر إلى لحظة إنسانية تختلط فيها الدهشة بالأمل، والفرح بالحزن.

عشية يوم الأسير الفلسطيني، الذي يُفترض أن يسلّط الضوء على معاناة آلاف المعتقلين، بدا المشهد هذا العام في غزة أكثر قسوة، إذ لم يعد هذا اليوم مجرد مناسبة وطنية، بل مرآة لانتظار طويل ولوعةٍ لا تهدأ في قلوب الأمهات اللواتي يبحثن عن خبرٍ من خلف القضبان.

دوامة من الغموض

ختام، والدة الأسير محمد منية (28 عامًا)، تعيش منذ اعتقاله في 18 آذار/مارس 2024، حالة من الغموض المؤلم. لا تعرف مكانه، ولا حاله، ولا حتى إن كان ما يزال على قيد الحياة.

تقول لـ "فلسطين أون لاين"، بصوتٍ يثقلُه القلق: "هذا اليوم يأتي في ظروف قاسية يعيشها الأسرى وعائلاتهم، خاصة بعد تصاعد الإجراءات داخل السجون منذ السابع من أكتوبر 2023".

وتضيف: "لم نعد نعرف شيئًا عن أبنائنا… لا أخبار، ولا زيارات، ولا أي تواصل".

وتشير إلى أن الأسرى يواجهون أوضاعًا صعبة تشمل العزل والتضييق والحرمان من أبسط الحقوق الإنسانية، في ظل صمت المؤسسات الدولية، ما يزيد من شعورها بالعجز.

اقرأ أيضًا: "حماس" تدعو للمشاركة الواسعة في المسيرات الدّاعمة للأسرى الفلسطينيين

وتتساءل بمرارة: "أين العالم من كل هذا؟ وأين من يتحدثون عن حقوق الإنسان؟"، مؤكدة أن يوم الأسير لم يعد مجرد ذكرى، بل صرخة في وجه الصمت.

ومضة أمل وسط الغياب

وجاءت لحظة التحول حين اقترب منها الأسير المحرر محمد شويدح، ليمنحها خيط أمل نادرًا، بعدما أخبرها أنه التقى بابنها داخل السجن.

يقول شويدح إنه شاهد محمد مصابًا في رقبته أثناء نقله عبر "البوسطة"، بعد أن نُقل إلى مجمع الشفاء الطبي ثم اعتُقل.

5983306893134334931.jpg

ورغم قسوة التفاصيل، منحت هذه الشهادة الأم لحظة يقين بأن ابنها كان حيًّا في مرحلة ما، غير أن هذا الأمل سرعان ما اختلط بخوفٍ جديد، مع استمرار غياب أي معلومات مؤكدة عنه حتى اليوم.

وأوضح شويدح، الذي أُفرج عنه في أكتوبر 2025 ضمن صفقة تبادل، أن أوضاع الأسرى ازدادت قسوة منذ اندلاع الحرب، مشيرًا إلى تصاعد سياسات العزل والتنكيل، وحرمانهم من الزيارات والرعاية الطبية.

ودعا المؤسسات الدولية إلى التحرك العاجل لحماية الأسرى والضغط لتحسين ظروفهم.

اقرأ أيضًا: ورشة لصحيفة"فلسطين": دعوات لتدويل ملف الأسرى وملاحقة قانون إعدامهم أمام المحاكم الدولية

أما ختام، فما تزال تتمسك بخيط الأمل الأخير، متنقلة بين المؤسسات، تبحث عن أي معلومة أو إشارة تطمئن قلبها.

وتقول إن الغموض يضاعف معاناة العائلة، خاصة مع تزايد التقارير عن تدهور أوضاع الأسرى منذ أكتوبر 2023.

وبحسب الإحصاءات، لا يزال آلاف الفلسطينيين يقبعون في السجون، بينهم نساء وأطفال ومعتقلون إداريون، إلى جانب مئات المحكومين بأحكام طويلة، ما يجعل قضية الأسرى جرحًا إنسانيًا مفتوحًا.

وفي يوم الأسير الفلسطيني، تتجدد القصص، لكن قصة ختام البحراوي تحمل خصوصية موجعة: أمٌّ التقت بابنها عبر ذاكرة أسير محرر.

ولعل تلك اللحظة القصيرة كانت كفيلة بتجسيد الحكاية كاملة: غياب طويل، خبر صغير، وأمل لا يموت.

المصدر / فلسطين أون لاين