في خيمة نزوح بسيطة على رمال مواصي رفح، تحوّلت لحظة عادية إلى بداية حكاية قاسية من الفقد والانتظار. منذ أواخر أغسطس/آب 2024، اختفى الشاب حماد شاكر حماد دون أن يترك خلفه سوى أسئلة معلّقة، وعائلة تبحث عن أي خيط يقودها إليه، وسط واقع يزداد قسوة وغموضًا.
يروي مصطفى، شقيق حماد، تفاصيل اليوم الأخير وكأن الزمن توقف عنده: "عدتُ من عملي عصرًا، وجلسنا نتناول الطعام معًا ونتبادل الحديث والضحك كأي يوم عادي". لم يكن في سلوك حماد ما يثير القلق، قبل أن ينهض فجأة ويغادر الخيمة.
"سألته: إلى أين تذهب؟ فقال: سأعود حالًا… ثم خرج".
كانت تلك آخر كلماته. ومنذ 27 أغسطس/آب 2024، لم يعد.
نزوح قاسٍ وظروف خانقة
قبل اختفائه، كانت العائلة قد نزحت قسرًا من حي الجنينة شرق رفح إلى منطقة المواصي غربًا، حيث أقاموا خيمة وسط آلاف النازحين. هناك، بدأت حياة شاقة تفتقر إلى أبسط مقومات العيش.
يقول مصطفى: "كنا نعيش ظروفًا قاسية جدًا؛ المياه شحيحة، والطعام بالكاد متوفر، وكل شيء يحتاج إلى جهد مضاعف". ورغم ذلك، يؤكد أن شقيقه لم يكن يعاني من أي مشكلة تدفعه للاختفاء أو المغادرة.
مع الساعات الأولى لاختفائه، بدأت العائلة رحلة بحث مضنية، لكنها اصطدمت بتضارب الروايات.
"قال أحدهم إنه رآه في وسط خان يونس، وآخر قال إنه كان متجهًا نحو منطقة ‘العَلَم’، وهي منطقة شديدة الخطورة".
ويضيف: "أكثر ما علق في ذهني شهادة شخص أثق به، قال إنه رآه متجهًا نحو منطقة العلم بعد الأكواخ بنحو 150 مترًا".
لكن، رغم ذلك، لم تتضح الحقيقة. "بعد أيام، ظهرت روايات أخرى عن مشاهدته في أماكن مختلفة، لكن دون أي دليل".
بحث بلا نتيجة
لم تدّخر العائلة جهدًا في البحث عن حماد. "فتشنا المستشفيات، وتواصلنا مع جهات عديدة، دون أي نتيجة"، يقول مصطفى. كما أبلغ مؤسسات دولية وحقوقية، منها الصليب الأحمر ومؤسسات مختصة بمتابعة المعتقلين، لكن دون رد حاسم.
حتى خلال فترات الإفراج عن أسرى، استمر في البحث: "كنت أسأل كل من خرج: هل رأيتموه؟ هل سمعتم باسمه؟ لكن لم أحصل على أي معلومة".
الاشتباه في توجه حماد نحو منطقة "العلم" زاد من قلق العائلة، نظرًا لخطورتها وصعوبة الوصول إليها.
"حتى خلال الهدنة، لم يتمكن أحد من الوصول إلى تلك المنطقة"، يوضح مصطفى.
كما حاولت العائلة التحقق من جثامين عُثر عليها في محيطها، لكن دون تطابق مع مواصفات حماد، الذي كان يرتدي قميصًا مخططًا بالأبيض والأزرق، ويحمل حقيبة سوداء، ولديه علامة مميزة في قدمه.
حياة معلّقة خلفه
كان حماد يبلغ 31 عامًا عند اختفائه، متزوج ولديه طفل وحيد لم يتجاوز الرابعة من عمره.
يقول شقيقه: "ابنه كبر اليوم وهو لا يعلم أين والده". فيما كانت زوجته خارج القطاع وقت اختفائه، ولم تتمكن من توديعه.
تمر الأيام، وتبقى القصة مفتوحة على كل الاحتمالات؛ لا دليل على حياته، ولا تأكيد على وفاته.
"ما زلنا نبحث حتى اليوم، ولو بأمل ضئيل"، يقول مصطفى.
وفي خيمة النزوح، ما يزال مكان حماد محفوظًا، كأن العائلة تترك له مساحة للعودة… عودةٍ طال انتظارها، ولم تأتِ بعد

