عندما نعود بالذاكرة إلى سلسلة المواجهات غير المتكافئة التي خاضتها الدول على مدى العصور، نجد مشاهد تتكرر بحسم تلك المواجهات لصالح الدول والمجاميع الأقوى كحالة طبيعية، باستثناء بعض الحالات التي لا تخلو من تسديد إلهي. ومن تلك الحالات التي عاصرناها في وقتنا الحاضر، هزيمة إسرائيل أمام حزب الله عامي 2000 و2006، وفشل أمريكا في "طبس" لتحرير موظفيها في طهران والتي انتهت بفشل ذريع، وعملية الإنزال للاستيلاء على اليورانيوم المخصب في أصفهان التي تحولت إلى كمين مدمر، حيث اتحدت قوى الطبيعة وقوى الغيب وقوى العقيدة والصمود بوجه الآلة الأمريكية المدمرة فدُمِّرت تدميرًا. وما لحق بأمريكا من فشل ذريع إثر إعلانها مشروع الحرية لفتح مضيق هرمز الذي انقلب وبالًا عليها، لتبخر أحلام ترامب في الهواء دون تحقيق أي هدف استراتيجي.
هذه السلسلة من الإخفاقات التي منيت بها قوى الاستكبار العالمي بقيادة الولايات المتحدة وإسرائيل لم تكن مجرد صدفة أو حظ سيئ، بل كشفت عن حقيقة أعمق: أن التفوق المادي الهائل لا يكفي لتحقيق النصر عندما يصطدم بثلاثي مترابط هو العقيدة والصمود والاستعداد، وهذا الثلاثي هو ما نلمسه اليوم بشكل عملي في تراجع حدة التهديدات الأمريكية.
ولفهم هذه الظاهرة موضوعيًا، يجب أن ننطلق من حقيقة أن العقيدة ليست مجرد شعارات ترفع في المهرجانات، بل هي منظومة قيم متجذرة تغير علاقة الإنسان بالحياة والموت. عندما تؤمن مجموعة بشرية بأن هناك ما يستحق التضحية بالنفس، وأن الرضوخ والعبودية لغير الله هما أسوأ من الموت، فإن ثلاثية العقيدة والصمود والاستعداد تخرج عن كل المعادلات العسكرية التقليدية. وفي الوقت الذي تخطط فيه القوى العظمى استراتيجياتها على افتراض أن الخصم (عقلاني)؛ بمعنى أنه يخاف الخسائر المادية والبشرية، فإنه عندما تواجه خصمًا يرى في الشهادة مكسبًا وفي الاستسلام خسارة أبدية، تتحول كل أدوات الردع التقليدية إلى ألعاب بلا معنى.
هذا ما حدث بالضبط في إنزال "طبس" وأصفهان، حيث خطط العدو لعمليات خاطفة تظن أن القصف الجوي يكسر الإرادة، لكنه فوجئ بقوات مستعدة للموت في مواقعها، بل بجماهير تحتضن تلك المواقع وتجعل احتلالها مستحيلًا؛ حيث لعبت العقيدة هنا دور السلاح غير المرئي، فهي التي جعلت الجندي يثبت في مكانه رغم التفوق الجوي، وهي التي حولت الهزيمة المتوقعة إلى نصر مبين.
ومع أثر العقيدة في بناء الإنسان وتكامله، إلا أن العقيدة وحدها لا تكفي، لأن النصر يحتاج إلى عنصر ثانٍ هو الصمود، أي القدرة على تحويل الضغط إلى قوة دفع والوقت إلى سلاح ضد العدو. الصمود هنا ليس صبرًا سلبيًا، بل هو طاقة مقاومة إيجابية تظهر في صور متعددة: الجماهير التي ترفض التفرق رغم الحصار ورغم توقع الموت، القيادة التي تشارك شعبها التضحية ولا تستغل الثروات الوطنية لمكاسب شخصية، والمجتمع الذي يحول كل حصار إلى فرصة لبناء بدائل محلية.
في الحالة الإيرانية، كشفت عدسات الكاميرات عن حقيقة لافتة، وهي أن القادة يعيشون في بيوت متواضعة ويضعون أنفسهم في مقدمة المخاطر، مما خلق حالة ترابط نادرة بين الشعب والقيادة. هذا الصدق في التعامل مع الجماهير، وعدم استغلال الثروة الوطنية لمصالح شخصية، هو ما جعل الشعب يتحول إلى جيش احتياط مستعد لتحمل أي عقوبات أو حروب. وعندما يرى العدو أن المجتمع بأكمله أصبح سدًا منيعًا، فإن كل التهديدات بالقصف والتدمير تفقد فعاليتها، لأن القصف قد يدمر الحجارة لكنه لا يدمر الإرادة المتماسكة.
إن هذا الصمود لدى محور المقاومة نلمس ثماره اليوم في تراجع ترامب عن تهديداته؛ فالقصف اللفظي والعقوبات الاقتصادية التي راهن عليها البيت الأبيض كانت تفترض أن الشعب سينهار ويضغط على قيادته للاستسلام، لكن الذي حدث هو العكس تمامًا، حيث تحول الضغط إلى مزيد من التماسك، مما أجبر الإدارة الأمريكية على البحث عن مخارج تفاوضية بدلاً من مغامرة عسكرية محسومة الفشل.
أما العنصر الثالث والأهم في هذه المعادلة فهو الاستعداد المادي، لأن العقيدة والصمود رغم قوتهما يحتاجان إلى ترجمة عملية في صورة قوة ردع حقيقية تمنع العدو من التفكير في الهجوم أصلاً. هنا نصل إلى جوهر ما حدث في مضيق هرمز، حيث تحولت التهديدات الأمريكية بفتح المضيق بالقوة إلى كابوس استراتيجي جعل البنتاغون يعيد حساباته ألف مرة.
الاستعداد لم يكن مجرد تجميع أسلحة، بل كان بناء منظومة ردع غير متماثلة تراهن على نقاط ضعف العدو بدلاً من مجاراته في نقاط قوته؛ فبدلاً من بناء أسطول بحري لمواجهة الأسطول الأمريكي، تم التركيز على صواريخ دقيقة مضادة للسفن، وغواصات صغيرة لا تظهر على الرادار، وألغام بحرية ذكية، وطائرات مسيرة رخيصة الثمن لكنها قادرة على إلحاق خسائر فادحة. هذه المنظومة لم تكن تهدف إلى خوض معركة كلاسيكية مع حاملات الطائرات الأمريكية الفتاكة، بل إلى جعل تكلفة أي مغامرة في المضيق تفوق كل الفوائد الممكنة.
العقلية العسكرية الأمريكية اعتادت على خصوم يستسلمون بعد ضربتين جويتين، لكنها واجهت في هرمز خصمًا يقول بصراحة: "قد لا أستطيع منعك من دخول المضيق، لكني أستطيع أن أجعل دخولك أشبه بالجحيم". هذا الاستعداد المادي المقترن بالعقيدة والصمود، هو الذي جعل ترامب -الذي كان يهدد بـ"النيران التي لم يرها أحد من قبل ومحو حضارة عمرها آلاف السنين"- يتراجع علنًا إلى لغة المفاوضات والتفاهمات غير المباشرة.
ما نراه اليوم من تراجع واضح في اللهجة الأمريكية ليس طيبة قلب من الإدارة الجديدة، بل هو اعتراف ضمني بحقيقة مؤلمة للقوى الكبرى: أن النصر العسكري لم يعد حكرًا على من يملك أحدث الطائرات، بل أصبح حليفًا لمن يملك ثلاثية العقيدة والصمود والاستعداد. إن فشل الإنزال في "طبس" وأصفهان لم يكن إخفاقًا تكتيكيًا عابرًا، بل كان إعلانًا عن ولادة معادلة جديدة في فن الحرب؛ معادلة تقول إن الأرض تُحرس بالعقيدة والصمود والاستعداد معًا، وإن الشعوب التي تثق بقيادتها وتقودها قيادة تثق فيها يمكنها تحويل أعتى آلة حربية إلى سراب يتبدد في الرمال. والمخرجات التي يمكن استخلاصها من هذه التجربة تنطبق على كل أمة تريد ردع الطغيان:
***أولًا:** أن العقيدة الصادقة التي تجعل الناس لا يخافون الموت هي السلاح الأنجع في مواجهة آلة الحرب التي تخاف الخسائر.
***ثانيًا:** أن الصمود الجماهيري والصدق بين القيادة والقواعد هو الذي يحول الحصار إلى قوة والضغط إلى مناعة.
***ثالثًا:** أن الاستعداد المادي، حتى لو كان أقل بعشر مرات من ترسانة العدو، يمكن أن يخلق معادلة ردع رهيبة إذا ركز على نقاط ضعف الخصم بدلاً من مجاراته في مجال تفوقه.
وفي ختام هذا الكلام، نجد أن كل هذه المعطيات تؤكد حقيقة كونية أشار إليها الله في محكم كتابه الكريم: `{إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}`، و`{كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ}`.

