فلسطين أون لاين

تقرير ريتال على حافة النجاة… رضيعة تصارع المرض وأمٌّ تخشى تكرار الفقد

...
الطفلة الرضيعة ريتال أبو ربيع
غزة/ هدى الدلو

في أحد أروقة المستشفى، حيث تختلط أصوات الأجهزة بأنين المرضى، ترقد الرضيعة ريتال علاء أبو ربيع، ذات الأشهر الثلاثة، بجسدٍ صغير أنهكه المرض، وعمرٍ لم يتسع بعد لفهم الألم، لكنه بات جزءًا من يومها قبل أن تتعرف إلى معنى الحياة.

تقول والدتها إيمان حمدونة (29 عامًا) لـ "فلسطين أون لاين": "لم تكن بداية معاناة ريتال مختلفة كثيرًا عن شقيقها؛ فعندما بلغت شهرها الأول، أصيبت بوعكة صحية تمثلت في إسهال واستفراغ وسعال وارتفاع في درجة الحرارة. حينها اعتقد الأطباء أنها مجرد نزلة معوية عابرة، لكن شيئًا ما في التفاصيل كان يثير القلق"، قلقٌ يعرف طريقه جيدًا إلى قلب أمٍّ مجروحة.

ذلك القلق لم يكن وليد اللحظة، بل امتدادًا لوجعٍ لم يندمل بعد؛ فقبل وقتٍ قصير، فقدت الأم طفلها الأول نضال، الذي لم يتجاوز عامين ونصف العام، بعد صراعٍ مرير مع تضخم في الكبد والطحال. لذا، لم يكن تشخيص ريتال مجرد حالة طبية، بل كابوسًا يتكرر.
 

وتضيف إيمان بصوتٍ مثقل بالفقد: "لم أتعافَ بعد من صدمة فقدان ابني نضال… كنت أنتظر سفره للعلاج، لكنه توفي قبل أن يسافر. لم يعرف من الدنيا سوى الألم، كنت أشاهده وهو يتألم ويموت أمام عيني، ولم أستطع أن أفعل شيئًا".

ومع تدهور حالة ريتال، لجأ الأطباء إلى إجراء فحوصات أعمق، خاصة في ظل التاريخ المرضي للعائلة، لتأتي النتائج صادمة: الرضيعة تعاني من المشكلة ذاتها التي أودت بحياة شقيقها، تضخم في الكبد والطحال، إلى جانب فقر دم حاد، وسوء تغذية، ونقص في البروتين والألبومين.

لم يكن التشخيص مجرد مصطلحات طبية، بل إعلانًا عن بداية معركة جديدة لعائلة لم تخرج بعد من حربها الأولى.

وتتابع إيمان، وكأنها تستعيد مشهدًا لم ينتهِ: "الآن يتكرر السيناريو ذاته مع ريتال… وها أنا أنتظر دورها على المعبر، والخوف يلاحقني من أن أفقدها قبل أن تخرج للعلاج، كما فقدت نضال".

5981055093320649724.jpg

ريتال، التي لم تعرف من الحياة سوى سرير المستشفى، تحتاج اليوم إلى رعاية طبية متقدمة، وربما إلى عملية زراعة كبد واستئصال الطحال، وهي إجراءات غير متوفرة في ظل الإمكانيات الصحية المحدودة. وبين الحاجة للعلاج وتعقيدات السفر، يبقى الوقت هو الخصم الأشد قسوة.

ويرجّح الأطباء وجود تطابق جيني بين الوالدين قد يكون سبب تكرار الحالة، إلا أن الفحوصات اللازمة لتأكيد ذلك غير متوفرة، ما يزيد من حالة الغموض والخطر معًا.

في غرفةٍ باردة، تقضي إيمان أيامها إلى جانب صغيرتها، لا تغادرها، تراقب أنفاسها وتعدّ لحظاتها، بينما يثقلها الخوف من أن تكون النهاية نسخةً أخرى من البداية.

وتقول: "منذ اكتشاف حالتها، وأنا أنام في المستشفى… رغم تحويلة علاجية مستعجلة، ما زلنا ننتظر. أخاف أن أفقدها كما فقدت نضال… هي تحتاج إلى أكسجين، وكل دقيقة تأخير تعني خطرًا أكبر".

لم يكن لإيمان من الأبناء سوى نضال وريتال؛ وبين فقد الأول، وخطر فقد الثانية، تقف الأم أمام فراغٍ مخيف يهددها بالفقد مجددًا. تقول: "أخاف أن أصبح وحيدة… لا أحتمل أن أعيش الفقد مرتين".

وبين سرير المستشفى وذاكرة الفقد، تواصل إيمان حكايتها مع الألم، متمسكةً بخيط أملٍ رفيع، علّه لا ينقطع هذه المرة… علّ ريتال تنجو، لا لتعيش فقط، بل لتمنح أمّها فرصةً للحياة من جديد.

المصدر / فلسطين أون لاين