داخل غرفة صفية مكتظة في إحدى مدارس الإيواء بمدينة دير البلح، تجلس مرفت رياض جبر البسيوني على فراشٍ مهترئ، تحيط بها معاناة النزوح وثقل المسؤولية، في حين تراقب أطفالها وهم يحاولون التأقلم مع واقعٍ قاسٍ فُرض عليهم مبكرًا. امرأة أنهكتها الحرب جسديًا ونفسيًا، لكنها لا تزال تتمسك بخيط أمل رفيع، مرددة: "الله لن يتركني… سيبدل هذه الحال إلى الأحسن".
مرفت، زوجة الأسير زكريا عصام خليل أبو سيف المعتقل منذ أواخر ديسمبر 2024، تخوض معركة بقاء يومية، بعد أن وجدت نفسها وحيدة في مواجهة أعباء الحياة، أمًا وأبًا ومعيلًا لأطفالها، في حرب مدمرة وحصار خانق أطاحا بكل مقومات العيش.
في حديثها لصحيفة "فلسطين"، تسرد مرفت تفاصيل معاناتها بصوت هادئ يخفي ألمًا عميقًا. تقول إن إصابتها خلال أكتوبر الماضي ضاعفت قسوة حياتها، فبعد أن فقدت جزءًا من ساقها وتركيب طرف صناعي، لا تزال تعاني من آلام مستمرة وصعوبة في الحركة، وسط غياب العلاج وعجزها عن تأمين أبسط احتياجات أطفالها.
وتضيف: "كنت أمشي مسافات طويلة أثناء النزوح على العكازات، ويداَي تؤلمانني من شدة الاعتماد عليهما، وأحيانًا كنت أجلس في الطريق من التعب، ثم أنهض خوفًا على أطفالي من القصف".
معاناة مرفت لم تبدأ مع إصابتها، بل سبقتها ظروف قاسية عاشتها الأسرة منذ اندلاع الحرب. فقد زوجها عمله، وتعرض لإصابات في ساقيه قبل اعتقاله، ما زاد من هشاشة وضع العائلة، قبل أن يغيبه الاعتقال، تاركًا زوجته تواجه مصيرًا مجهولًا.
تحولت مرفت إلى السند الوحيد لأطفالها، في ظل غياب أي شبكة دعم عائلية؛ فوالدها مريض وكبير في السن، ووالدتها خارج غزة لتلقي العلاج، فيما استشهد أحد أشقائها، ويكابد آخر أعباء إعالة أسرته. كما لم يبق من عائلة زوجها من يستطيع تقديم العون.
تقول بحرقة: "أنا اليوم بلا معيل، بلا دخل… بعت كل ما أملك، حتى دبلة زواجي، لأتمكن من إطعام أطفالي".
تعيش مرفت حاليًا في مدرسة ذكور دير البلح الابتدائية، بعد نزوحها من منطقة "الهوج" في جباليا، وسط ظروف إنسانية بالغة القسوة، حيث الجوع، وشح المياه، وانعدام الخصوصية، ما يزيد من معاناتها الصحية ويجعل الحياة اليومية أشبه بصراع مستمر.
ورغم كل ذلك، ترفض الاستسلام. تقول بإيمان راسخ: "مررنا بالمجاعة ورأينا الموت، وكل يوم كان اختبارًا، لكنني لا أقنط من رحمة الله… بعد العسر فرج".
بهذه الكلمات، تمارس مرفت شكلًا آخر من المقاومة؛ مقاومة الصمود والإيمان في وجه الألم.
ولا تطلب مرفت الكثير، لكن مناشدتها تختزل معاناة آلاف النساء في غزة، إذ توجه نداءً لكل صاحب ضمير وجهة إنسانية أن يلتفت إلى حالها وأطفالها.
تقول: "لا أريد المستحيل… فقط من يساعدني على العلاج، وإطعام أطفالي، وأن أعيش بكرامة".
قصة مرفت ليست مجرد حكاية فردية، بل نموذج مكثف لمعاناة نساء غزة اللواتي يتحملن أعباء مضاعفة في ظل الحرب، حيث تتحول النجاة نفسها إلى معركة يومية.
في قطاع غزة، حيث يتقاطع الحصار مع الدمار، تصبح هذه القصص شهادة حية على الكلفة الإنسانية الباهظة، وعلى قوة النساء اللواتي يواصلن الصمود رغم كل شيء.
ورغم كل ما فقدته، تصر مرفت على البقاء واقفة، ولو بعكاز وطرف صناعي، متمسكة بالأمل.
وتختم بابتسامة باهتة: "ربنا كريم… ما ضاقت إلا لتفرج".
وفي كلماتها، ما يشبه النجاة… وما يستحق أن يُسمع.

